دبي – علي الزكري
في حضرة القهوة، يصبح الحديث أشبه بمقطوعة موسيقية؛ لكل رشفة نغمة، ولكل حبة حكاية، ولكل يدٍ تزرع أو تُحضّر أثرٌ يبقى. هكذا ترى رنا إبراهيم القهوة: ليست مشروبًا عابرًا، بل مساحة للفن والروح والإنسانية. في حوارها مع قهوة ورلد تكشف لنا كيف تحوّل فنجان بسيط إلى رحلة وجودية، وكيف استطاعت أن تصوغ تجربتها في مقاهيها ومشاريعها لتكون امتدادًا للفن الذي أحبته منذ الطفولة.
بين إدّا أرابيكا في بيروت و«قهوة السوق» في بلدة بعقلين، بين التعليم والتجريب، وبين الريشة والفنجان، نسجت رنا عالمًا خاصًا بها، حيث القهوة ليست مجرد مشروب بل لغة للحضور والهوية والإبداع.
ندعوكم الآن للاستمتاع بقراءة هذا الحوار الثري والملهم مع رنا إبراهيم، حيث تتقاطع القهوة مع الفن، وتتحول الطقوس اليومية إلى حكايات تستحق أن تُروى.
كيف بدأت رحلتك في عالم القهوة، ومتى أدركتِ أن هذا المجال سيصبح جزءًا من هويتك المهنية والشخصية؟
القهوة كانت دائمًا جزءًا من حياتي منذ الطفولة؛ اعتادت عائلتي أن تستمتع بها يوميًا، ومع مرور الوقت أصبحت عادةً طبيعية بالنسبة لي أيضًا. لكن نقطة التحوّل الحقيقية جاءت عندما انتقلت إلى لندن. كنت أدرس الفنون الجميلة في إحدى الكليات هناك، وأحتفظ بمرسم في شرق المدينة، وهو حي يضم بعضًا من أوائل محامص الموجة الثالثة. هناك بدأت أنظر إلى القهوة بنظرة مختلفة؛ لم تعد مجرد روتين يومي، بل أصبحت ممارسة تحمل وعيًا ومعنى أعمق.
حركة الموجة الثالثة فتحت أمامي نافذة على القصة الكامنة وراء كل فنجان: مصدر الحبوب، هوية المزارعين، والرحلة التي تقف خلفها. ومن هنا تبدّل مفهومي للقهوة كليًا؛ فلم تعد مجرد مشروب، بل أصبحت وسيلة للفهم والتقدير.
التحول الأكبر حدث حين التحقت بدورة «مقدمة في القهوة» في أحد المقاهي التعليمية في لندن، مع مدرّب بارز أصبح فيما بعد عميدًا للدراسات في مؤسسة متخصصة. سألني سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: «لماذا تريدين أن تتعلمي عن القهوة؟» توقفت لحظة للتفكير؛ فحتى ذلك الوقت كان اهتمامي منصبًا على فكرة مزج القهوة بالطعام، وكنت أتخيل أنني سأفتتح مقهى في المستقبل. لكن سؤاله دفعني إلى البحث في العمق.
أجبته قائلة: «لأنني أود في يوم من الأيام أن أفتتح مقهى خاصًا بي». لم يكن اهتمامي حينها منصبًا على القهوة وحدها، بل على فكرة جمع الناس عبر الطعام والضيافة. فقد نشأت في بيئة قريبة من عالم الأطعمة والمشروبات، وعملت في هذا المجال، وكنت أستمتع بروح التواصل والعلاقات التي تنشأ حول المائدة.
ذلك السؤال جعلني أدرك الرابط بين كل هذه العناصر: لم يكن هدفي أن أصبح مدرّبة قهوة أو متخصّصة أكاديمية، بل أن أخلق مساحة دافئة تجمع بين الناس، حيث يلتقون على قهوة جيدة وطعام بسيط.
وبعد سنوات، عندما افتتحت إدّا أرابيكا، شعرت أنني وجدت صوتي الحقيقي في عالم القهوة. لم يكن مجرد مشروع تجاري، بل مساحة التقت فيها اهتماماتي جميعها: الطقوس، والفن، والقهوة، والمجتمع، والضيافة.
لو لم تكوني اليوم في صناعة القهوة، أين كنتِ ترين نفسك؟
ما زلت حتى اليوم مرتبطة بالفن، فما زلت أرسم. كان الفن دائمًا ثابتًا في حياتي، وأتخيل أنني لو لم أختر القهوة لكنت ما زلت أعمل في هذا المجال، أستكشف الموضوعات التي تلهمني دائمًا: المكان، والثقافة، والهوية، والتحوّل.
أغلب أعمالي الإبداعية، سواء كانت بصرية أو مكانية، تدور حول بناء فضاءات والتفكير في كيفية اجتماع الناس وتشكيل المجتمعات وتجربة الحياة العامة. ولهذا السبب غالبًا ما أتعاون مع معماريين ومفكرين حضريين؛ فأنا مفتونة بكيفية تصميم المساحات بحيث تكون عملية وتحمل معنى في الوقت نفسه.
حتى عندما أصمّم مقهى، أتعامل معه كلوحة فنية: أفكر في الحركة، والتدفق، والسكون، والتفاعل. بالنسبة لي، كل مساحة هي فرصة للتوقف، والتواصل، ولإحساس بالانتماء. وهذا الخيط يربط بين الفن ورؤيتي للضيافة.
الرسم هو جوهر كل ما أقوم به. حتى الطريقة التي أصف بها القهوة — جسدها، حموضتها، مذاقها اللاحق — تشبه إلى حد كبير الطريقة التي أصف بها اللوحات: لون، وشكل، وتكوين. هناك لغة مشتركة بين الاثنين أكثر مما يتصور الكثيرون.
إذن، لو لم أكن في القهوة، لكنت ما زلت أعمل مع الناس والمكان والشكل، من خلال الرسم والتصميم وسرد القصص. القهوة جاءت لتكون الوسيط الذي جمع هذه الشغف كلها في مساحة واحدة.
ما العلاقة بين الفن والقهوة بالنسبة لكِ؟ وهل تعتبرينهما شكلين من أشكال الإبداع؟
القهوة والفن بالنسبة لي مرتبطان دائمًا. كلاهما يقوم على البنية والإيقاع ونوع من المنطق الذي أعتبره بمثابة «المحددات».
في القهوة هناك معايير مثل الجرعة، والنتيجة، ووقت الاستخلاص، ودرجة الحرارة، وحجم الطحن. هذه ليست قيودًا، بل هي الأساس الذي يفتح الباب أمام الإبداع. والفن يعمل بالطريقة نفسها: التكوين، والتوازن، والألوان، والطبقات تخلق الإطار الذي يسمح بالتعبير.
عندما أرسم، أنشغل بالشكل والملمس والفراغ والحركة. وعندما أُحضّر القهوة، أركز على الجسد والحموضة والمذاق اللاحق والإحساس في الفم. في جوهرهما كلاهما لغتان للتعبير. حركة الفرشاة على القماش لا تختلف كثيرًا عن تدفق الماء عبر حبوب البن.
ما يجمعهما هو الحضور الكامل. سواء أمام لوحة أو فنجان قهوة، النتيجة تتشكل عبر مئات القرارات الصغيرة التي قد لا يلاحظها الآخرون. ولهذا أرى القهوة والفن كممارستين متوازيتين: إبداعيتين نعم، لكنهما أيضًا تحتاجان إلى انضباط، وتمنحان حرية داخل إطار محدد، وتعكسان جانبًا عميقًا من ذاتي.
ما الذي يميز إدّا أرابيكا عن غيره من المقاهي في بيروت؟ وكيف وُلدت فكرته؟
وُلد إدّا أرابيكا عام 2021 في وقت عصيب في لبنان، مع انهيار النظام المصرفي. الغريب أن تلك الأوقات الصعبة جعلت الناس أقرب من بعضهم، وأصبح فنجان القهوة وسيلة للحضور والتوقف، وللتمسك بشيء يمنح الطمأنينة.
منذ البداية أردت أن يكون «إدّا» مساحة مفتوحة، ليس فقط في تصميمها المادي، بل في روحها. مكان يستطيع الناس فيه أن يتفاعلوا ويطرحوا الأسئلة ويبدأوا حوارات، بعيدًا عن الطابع التجاري البحت. كنا نهتم دائمًا بجودة المحصول والتحميص والطريقة، لكن هدفنا لم يكن السعي وراء الكمال، بل خلق صلة إنسانية حقيقية.
مع الوقت أصبح «إدّا» مكانًا يلتقي فيه العاملون في المقاهي الأخرى بعد دوامهم، يجلبون حبوبًا لتجارب التذوق أو فقط للجلوس وتبادل الحديث. لم يكن هذا مخططًا، لكنه حدث طبيعيًا، وتحول المكان إلى نقطة تجمع للمجتمع.
موقعه في منطقة كليمنصو، مقابل المستشفى الجامعي الأمريكي، ساعد أيضًا في جذب تنوع واسع من الناس، بعضهم لم يكن يعرف القهوة المختصة من قبل. ومع مرور الوقت، بدأوا يتذوقون ويسألون ويكتشفون رحلة القهوة من المصدر إلى الفنجان.
هناك أيضًا بعد شخصي وراء الفكرة؛ شريكي وليد، وهو معماري وطاهٍ، اقترح عليّ أن أفتح ركنًا للقهوة داخل أحد مطاعمه. المدهش أنني قبل ثلاث سنوات كنت قد طلبت منه نفس الشيء، لكنه لم يتحقق وقتها. وحين طلب مني هذه المرة لم أستطع أن أرفض. تصميم وليد دائمًا يحمل طبقات ومعاني، ولهذا جاء بار «إدّا» مختلفًا؛ فهو ليس مجرد طاولة بل شريط حقيقي صُمم بعناية ليكون للقهوة.
حتى الاسم له رمزيته؛ «إدّا» كلمة من الميثولوجيا الإسكندنافية وتعني مجموعة من الحكايات والمعارف التي تنتقل عبر الأجيال، و«أرابيكا» هو نوع البن الذي نعمل به. معًا أصبح الاسم تعبيرًا عن مشاركة القصص والمعرفة وربط الناس بالقهوة.
كيف تقيّمين مشهد القهوة في لبنان اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تواجهينها في إدارة مقهى مختص في ظل الوضع الاقتصادي؟
مشهد القهوة المختصة في لبنان ما زال ناشئًا، لكنه يحقق تقدمًا رغم الأوضاع القاسية: الانهيار الاقتصادي، والتضخم، ونقص الموارد. ومع ذلك نحن نواصل العمل بما يتاح لنا. بالمقارنة مع أسواق أكثر استقرارًا، ما زال أمامنا الكثير من العمل لبناء القاعدة.
التحديات يومية ولا تنتهي: أحيانًا تنفد أبسط المستلزمات، وما يُفترض إنجازه في يوم قد يستغرق ثلاثة أيام. انقطاع الكهرباء وتأخر الشحنات وسلاسل التوريد المقطوعة جزء من حياتنا اليومية. ومع الوقت يتعلم الإنسان أن يتأقلم.
العمل في هذه الظروف يغيّر نظرتك للأشياء: تدرك أن وجود الماء والحرارة والبن كافٍ. أي قهوة أفضل من انعدامها. وما هو أبعد من ذلك يصبح هدية. هذه التجربة تعلّمك التواضع، وتجبرك على المرونة والتركيز على الحاضر، وتقدير ما هو متاح بالفعل.
ما الذي دفعكِ إلى تأسيس «أس كوفي شوب»؟ وهل يختلف من حيث الجمهور والانتشار؟
«أس كوفي شوب» يقع في وسط بيروت في منطقة ستاركو. أشعر أنه فصل جديد، لكنه وُلد بفضل إدّا أرابيكا. ففي «إدّا» كنت أركز على التوجيه وتعليم الناس عن المصدر والتحضير والتذوق. أما « أس كوفي شوب » فحمل روحًا أخف وأكثر مرحًا. المكان نابض بالحياة، شبابي، مفعم بالطاقة. القهوة فيه مدروسة بعناية، والجودة حاضرة، لكن الهدف ليس الكمال بل خلق مساحة للتجربة والفرح.
الفكرة بدأت عندما تواصل معي أحد الشركاء لطلب استشارة في القهوة، ومن هناك نمت الفكرة. جمعت فريقًا أثق به وأحب العمل معه، وبنينا المشروع سويًا. بدأنا التنفيذ خلال فترة الحرب، ورغم الصعوبات استمررنا حتى الافتتاح. تلك الروح القوية انعكست على شخصية المكان.
حتى التصميم والألوان مستوحاة من لوحاتي، وهذا أعطى المكان طابعًا شخصيًا ومشرقًا. وفريق «إدّا» يعمل بالتناوب بين المقهَيَين، مما جعل الروح واحدة في كليهما.
ما يميز «أس كوفي شوب» هو تنوع جمهوره: مصممون، فنانون، طلاب، جيل شاب، محترفون، وعشاق قهوة فضوليون. لم يكن محصورًا في فئة ضيقة بل مفتوحًا للجميع. وهذا ما أحبه فيه أكثر: مكان بسيط، صادق، يرحّب بالناس كما هم.
لماذا قررتِ إطلاق برنامج «بارستا هاسل بالعربية»؟ وما أهمية توفير محتوى تدريبي باللغة العربية للمهنيين في القهوة؟
في عام 2017 تواصل معي جيريمي تشالندر، الذي يشغل اليوم منصب عميد الدراسات في المنصة، واقترح أن نطلق النسخة العربية. شعرت فورًا أن الفكرة صائبة. واصلنا النقاش حتى انطلق المشروع فعليًا عام 2019.
هذه المنصة تميزت بأنها سهلة الوصول، تعليمها واضح وجذاب، ولا تحتاج إلى سفر أو تكاليف كبيرة. لذلك كان توفيرها بالعربية أكثر من مجرد ترجمة كلمات، بل فتح باب المشاركة والشمولية. فليس بإمكان الجميع في منطقتنا حضور الدورات العالمية، لكن بهذه الخطوة صار بإمكان المزيد من المهتمين تطوير مهاراتهم ومعارفهم.
بالنسبة لي لم يكن الأمر محصورًا بالمهنيين فقط، بل أردت أن يشمل الهواة ومن يحضّرون في بيوتهم، وأصحاب المقاهي، وكل من لديه فضول تجاه القهوة. التعليم يجب أن يكون مفتوحًا ومرحّبًا ومتوفرًا للجميع.
هل واجهتِ صعوبات في نقل المحتوى التدريبي إلى العالم العربي؟ وكيف كان التفاعل معه؟
بالطبع واجهنا صعوبات. فترجمة محتوى القهوة إلى العربية لم تكن مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى. أحيانًا لم تكن هناك مصطلحات تقنية مكافئة بالعربية، فكنا مضطرين إلى صياغة مفردات جديدة يسهل فهمها. ثم إن العربية نفسها متعددة اللهجات، وما يصلح في لبنان قد لا يتقبله القارئ في المغرب أو الخليج. لذلك سعينا إلى لغة عربية حديثة، محايدة، سهلة، وقريبة من الجميع.
التحدي الآخر كان النبرة؛ فالمنصة بطبيعتها تقنية جدًا، لكن هدفنا كان جعلها أكثر ودًّا وقربًا من القارئ. لم نخاطب المحترفين فقط، بل أردنا أن يشعر أي قارئ بالترحيب.
أما التفاعل فقد كان مشجعًا جدًا؛ الكثيرون كانوا بانتظار هذه الخطوة. وتلقينا ردود فعل إيجابية خصوصًا ممن لم تتح لهم فرصة التعلم المنظم بالعربية من قبل. بالنسبة للكثيرين كانت هذه المرة الأولى التي يشعرون فيها أنهم جزء من الحوار العالمي حول القهوة.
ماذا يعني لكِ حصولك على شهادة «كيو غريدر»؟ وكيف أثرت على طريقتك في تذوق القهوة وتقييم المحاصيل؟
الحصول على هذه الشهادة بالنسبة لي مسؤولية أكثر منه لقبًا. فقد منحتني إطارًا منهجيًا لتذوق القهوة وتقييمها، لكنها قبل ذلك علمتني الإصغاء للفنجان بطريقة مختلفة، والاقتراب من عمل المزارعين بعدل وصدق.
هذه التجربة درّبت حواسي على التركيز والدقة، لكنها في الوقت ذاته جعلتني أكثر تواضعًا. فالقهوة ليست مجرد أرقام أو درجات، بل قصة عن مكان وأشخاص ومناخ. لذلك عندما أقيم محصولًا لا أسأل فقط: هل هو 86 أو 87؟ بل أفكر أيضًا في كيفية ظهوره في المقهى وكيف سيختبره الناس.
لهذا أعتبر الشهادة أداةً وليست غاية. إنها تساعدني على التواصل بشكل أوضح مع الآخرين في سلسلة القهوة، وتقدير الجهد المبذول خلف كل فنجان.
كيف تصفين تجربتك في اجتياز اختبارات «كيو غريدر»؟ وهل تنصحين المهنيين العرب بخوضها؟
بصراحة، لم أكن قد وضعت هذه الشهادة ضمن خططي. لكن محمد مرعي من «سايفر» شجعني ودعمني بطريقة سأبقى ممتنة لها دائمًا. منحني المرونة والوقت من دون ضغط مادي أو زمني، وهذا ساعدني جدًا.
الاختبارات نفسها صعبة جدًا، دقيقة وتقنية وتحتاج إلى هدوء وثقة بالحواس. لكني أنصح المهنيين العرب بخوضها، ليس من أجل اللقب أو المكانة، بل من أجل الوعي والوضوح الذي تمنحه. فهي توفر لغة مشتركة وإطارًا يساعد على التواصل الأوضح داخل سلسلة القهوة.
لكنها ليست الطريق الوحيد، فهناك مسارات أخرى كثيرة في عالم القهوة. ومع ذلك، لمن لديه فضول ويرغب في التعمق، فإن هذه التجربة غنية وقيمة للغاية.
كيف ترين حضور المرأة في مشهد القهوة العربي اليوم؟
هناك تحوّل واضح. نساء كثيرات أصبحن حاضرات في المشهد العربي: باريستات، ومحمّصات، وصاحبات مقاهٍ، ومدرّبات، وحتى مزارعات. هذا الحضور يتزايد بقوة.
صحيح أن هناك فجوات في التمثيل والفرص، لكنني أرى تغيرًا إيجابيًا في السنوات الأخيرة؛ هناك استعداد أكبر للاستماع ولإفساح المجال. والنساء أصبحن يثبتن وجودهن بشكل طبيعي، لا كاستثناء بل كجزء أصيل من الصناعة.
الأجمل أن النساء أنفسهن بدأن يشكّلن شبكات دعم متبادلة، يتبادلن المعرفة ويقوين بعضهن البعض. وفي المقابل أرى أن المجتمع أيضًا أصبح أكثر تقبّلًا للاستماع إلى أصوات النساء وتقدير طرق قيادتهن المختلفة.
ما رأيكِ في نظام التقييم الجديد الذي أطلقته الجمعية المتخصصة للقهوة؟
لم أتمكن بعد من التعمق فيه بشكل كامل، لكنني اطلعت على بعض ملامحه. أعجبني أنه يبدو أكثر إنسانية وأقل تركيزًا على الأرقام، وأكثر ارتباطًا بالتجربة والمعنى. فهو لا يهمل الجانب الحسي، لكنه يضيف السياق والقصة والنية، وهذا ينسجم مع طريقتي الحالية في التعامل مع القهوة.
ما قصة «قهوة السوق»؟ وهل يمكن اعتبارها مشروعًا اجتماعيًا وثقافيًا أكثر منه تجاريًا؟
تقع «قهوة السوق» داخل متجر قديم كان يملكه جد والد زوجي في بلدة بعقلين بالشوف، وكان من أقدم المتاجر هناك. مع مرور الوقت أُغلق المتجر، لكن طابعه بقي. اقترح عليّ والد زوجي أن نعيد إحياءه، ليس كمتجر بل كمساحة للمجتمع.
أبقينا على معظم تفاصيله القديمة: الرفوف، والإضاءة، حتى الخزنة الحديدية التي لم تُفتح قط. المكان تحوّل إلى مساحة يجتمع فيها الناس، تُعرض فيها الأعمال الفنية، تُعزف الموسيقى، وتُقدّم القهوة. المشروع لم يكن بدافع تجاري، بل لإعطاء شيء لهذا المكان الذي منحنا الكثير.
هل هناك فنجان قهوة لا يمكن أن تنسيه؟
يصعب اختيار فنجان واحد، فكل تجربة تحمل معها سياقًا وشخصًا وذكرى. لكن أذكر أن أول فنجان قهوة محمصة خفيفة من أحد المحامص الأوروبية غيّر فهمي للنقاء والتوازن.
كما لا أنسى فنجانًا شربته في بنما مع صديق خلال زيارة لمزرعة، وكان المشهد والطبيعة واللحظة لا تُنسى.
وفي بيروت، خلال فترة القصف، أعددت فنجانًا من قهوة قديمة كنت أخزّنها مع صديق، وكان الشعور وكأنه آخر فنجان في الحياة، وهذا ما جعله حاضرًا في ذاكرتي بقوة.
وأيضًا في كولومبيا، حين قدّمت لي زوجة أحد المزارعين فنجانًا بسيطًا في بيتها، لكنه كان مليئًا بالدفء والصدق، وبقي أثره في داخلي.
ما النصيحة التي تقدمينها لعشاق القهوة الذين يرغبون في دخول هذا المجال؟
أن يبدأوا بالفضول ويحافظوا عليه حيًا. فأنا عندما دخلت عالم القهوة لم أكن أبحث عن لقب أو شهادة، بل عن المعرفة. جربت كثيرًا، تذوقت كثيرًا، سألت كثيرًا، وراقبت كيف يعمل الآخرون. وهذا ما زال أسلوبي حتى اليوم.
لا يحتاج المرء في البداية إلى أفضل المعدات أو إلى معرفة كل شيء. الأهم أن يكون حوله أشخاص شغوفون. أن يتعلم بالتجربة وبالخطأ.
لا تتعجلوا الشهادات أو الكمال؛ قد تأتي لاحقًا أو تكتشفوا أنها ليست ما تبحثون عنه. الأهم أن تفهموا القهوة وتبنوا حسًا حقيقيًا بالضيافة؛ فهذه المهنة في جوهرها عن الناس لا عن التقنية فقط.
القهوة ستعلّمكم الصبر والانفتاح والمرونة إن تركتم لها المجال. لذلك كونوا لطفاء مع أنفسكم، وحافظوا على شغفكم، وعندما يكون حضوركم حقيقيًا، فإن كل شيء آخر سيجد طريقه.