Faisal Al-Tahri

فيصل عبده سعيد الطاهري.. بطل العدين وحارس إرث البن العديني

إب، 30 أغسطس 2025 – (قهوة ورلد)  — في وادي عَنّة بمديرية العدين، حيث تتعانق المدرجات مع سفوح الجبال، يقف فيصل عبده سعيد الطاهري (المحلوي) ممسكًا بجذور تاريخٍ لا يريد له أن يذبل. محصوله من البن لا يتجاوز 40 – 50 كيلوغرامًا في العام، لكنه يعادل في قيمته كنزًا نفيسًا، لأن كل حبة منه تحكي قصة العدين التي منحت العالم قهوة لا تُشبه سواها.

ورغم الجفاف وغياب شبكات الري الحديثة وتكاليف الزراعة الباهظة، يصر الطاهري على التوسع لا الانكماش. فهو يخطط لزراعة 500 شتلة جديدة خلال العامين المقبلين، غير أن تحقيق هذا الحلم مرهون بالدعم، إذ لا يملك الإمكانات اللازمة لبناء خزانات المياه أو إنشاء شبكات ري حديثة. وهنا تتضح رسالته: أن ما يقوم به ليس مشروعًا فرديًا، بل نموذج لإنقاذ زراعة البن اليمني وتحويل الصمود الشخصي إلى قصة نجاح جماعية.

العدين.. وديان بين الجبل والماء

مديرية العدين من أكثر مناطق إب خصوبةً وجمالًا. فيها وادي الدور ووادي عَنّة، وهما قلبان نابضان للبن اليمني. وفي هذه الوديان يتجاور نوعان من القهوة:

  • البن الجبلي: يزرع في المرتفعات، حبوبه صغيرة لكن نكهته مركزة وعميقة.

  • بن الوادي: ينمو بين جداول الماء وتحت ظلال الأشجار، ألين طعمًا وأكثر سلاسة.

هذا التباين بين الجبل والوادي منح القهوة العدينية خصوصية لا مثيل لها. هنا لا تُزرع القهوة كأي محصول آخر، بل كهوية. حتى إن بعض المؤرخين المحليين يشيرون إلى أن اسم “العدين” ارتبط قديمًا بعود البن.

من العدين إلى المخا.. رحلة غيّرت وجه التاريخ

لم تكن العدين معزولة، بل كانت جزءًا من شبكة الإنتاج التي غذّت ميناء المخا التاريخي. ومن هنا، حملت القوافل حبوب البن عبر الطرق الوعرة إلى الشاطئ الغربي، ومن المخا انطلقت أولى شحنات البن إلى العالم في القرن الخامس عشر (حوالي عام 1450م). ومنذ ذلك الحين ارتبط اسم “موكا” بالقهوة اليمنية، وكتب العالم فصلًا جديدًا في تاريخه مع هذا المشروب.

شهادات خالدة

كتب المؤرخ عبد القادر الجزيري في عمدة الصفوة في حل القهوة (1587م):

“وأما أصل القهوة فهي من بلاد اليمن، من عدن وزبيد وصنعاء ومخا وغيرها.”

أما الطبيب الألماني ليونارد راوولف، بعد رحلته عام 1573، فقد وصف القهوة لأول مرة للأوروبيين قائلًا:

“شراب أسود كالحبر، يُباع في بلاد اليمن، محبوب عند الناس، نافع لأمراض المعدة.”

ودوّن الرحالة العثماني أوليا جلبي في القرن السابع عشر:

“وفي جبال إب والعدين من مزارع البن ما يدهش العين، وأهلوها يعيشون على هذا الغرس النفيس الذي ذاعت شهرته في الآفاق.”

هذه النصوص ليست مجرد توثيق، بل شهادة عالمية بأن ما يزرعه الطاهري اليوم امتداد لإرث عالمي انطلق من هذه الأرض.

زيارتنا لفيصل الطاهري

زيارتنا في قهوة ورلد لفيصل الطاهري لم تكن لقاءً عابرًا مع مزارع، بل كانت نافذة على تاريخ العدين وحاضرها. فالرجل يجسد بعزيمته صمود مئات المزارعين الذين يقاتلون للحفاظ على البن في مواجهة الجفاف وغياب الدعم وتوسع محاصيل دخيلة مثل القات، التي كادت أن تبتلع مساحات واسعة من الأرض.

إنه صورة مصغرة من اليمن كله: بلدٌ وهب للعالم القهوة، ولا يزال يقدّم عبر رجاله الأوفياء نموذجًا للثبات رغم قسوة الظروف.

فيصل.. وجه الحاضر وراية المستقبل

ابتسامة الطاهري المتواضعة لا تفارق وجهه، وحرصه على أشجاره القديمة – الضاربة بجذورها منذ أجيال – يلخص علاقة المزارع اليمني بأرضه. لم يعد الأمر مجرد إنتاج بن، بل معركة بقاء ضد الجفاف وغياب الدعم.

في شخص فيصل عبده سعيد الطاهري تتجسد العدين كلها: وديانها الخصبة، جبالها الشامخة، وقربها من ميناء المخا الذي صدّر أول شحنة قهوة إلى العالم. إنه الحاضر الذي يمد جذوره إلى الماضي، ويزرع للمستقبل إرثًا خالدًا اسمه: البن العديني.

Spread the love
نشر في :
WhatsApp Icon