“اتش أند سي”.. ابتكار يمني يُعيد تعريف القهوة ويمنحها بُعدًا جديدًا في عالم التذوق

“اتش أند سي”.. ابتكار يمني يُعيد تعريف القهوة ويمنحها بُعدًا جديدًا في عالم التذوق

حين تُذكر القهوة، يسطع اسم اليمن كموطنها الأول، حيث انطلقت حباتها الأولى نحو العالم من موانئ المخا، حاملةً معها أسرار النكهة التي صنعت تاريخها. ومع استمرار المنافسة العالمية في القهوة المختصة، يتجدد البحث عن تقنيات تعزز النكهة، دون المساس بجوهر الحبوب أو أصالتها.

في هذا السياق، ظهر ابتكار يمني جديد يحمل توقيع بكر النصيري ورشيد شاجع، بالتعاون مع شركة دُرر القهوة المختصة، ليُحدث نقلة نوعية في معالجة القهوة عبر تقنية “اتش أند سي” (H&C)، التي تعني Hot & Cold، وتعتمد على التحكم الدقيق في درجات الحرارة أثناء التخمير اللاهوائي، مما يعزز النكهات الطبيعية للحبوب ويضفي على القهوة اليمنية طابعًا أكثر تفردًا وتعقيدًا.

القهوة اليمنية.. تاريخ لا يقبل التقليد

للقهوة اليمنية خصوصيتها الفريدة، ليس فقط لجودتها الاستثنائية، ولكن أيضًا لكونها تُزرع في تضاريس وعرة بارتفاعات شاهقة، حيث يعتمد المزارعون على أساليب زراعة متوارثة عبر الأجيال، مما يمنح الحبوب نكهات يصعب العثور عليها في أي مكان آخر. واليوم، ومع التحول نحو القهوة المختصة وازدياد اهتمام الأسواق العالمية بالمعالجات المتطورة، جاء هذا الابتكار ليضع القهوة اليمنية في طليعة هذا التطور، مستندًا إلى علم دقيق وفهم عميق لطبيعة الحبوب واحتياجاتها.

ما الذي يجعل “اتش أند سي” مختلفة؟

في حين أن المعالجة اللاهوائية التقليدية أصبحت شائعة في أوساط القهوة المختصة، فإن تقنية “اتش أند سي” أضافت بعدًا جديدًا من خلال إدخال تغيّرات حرارية مدروسة أثناء التخمير، مما يجعل التفاعلات الكيميائية أكثر تأثيرًا، ويُبرز نكهات لم تكن تظهر في المعالجات الأخرى.

تعتمد التقنية على التحكم الذكي في درجات الحرارة أثناء عملية التخمير اللاهوائي، بحيث تمر الحبوب بمراحل متناوبة بين الدفء والبرودة، مما يحفّز نشاط الميكروبات المفيدة، ويُنتج مركبات عطرية تُثري النكهة. والنتيجة؟ قهوة بتوازن مذهل بين الحموضة والسكريات، مع تعقيد نكهوي يفتح آفاقًا جديدة في عالم التذوق.

كيف تُطبّق التقنية؟

تمر الحبوب بسلسلة من المراحل التي تضمن تحقيق أقصى استفادة من التخمير اللاهوائي المتحكم به:

  1. يتم وضع حبوب القهوة الكاملة داخل أكياس محكمة الإغلاق داخل براميل خاصة دون تقشيرها.
  2. تُعرّض هذه البراميل لحرارة الشمس لمدة 10 ساعات يوميًا، ضمن نطاق حراري يتراوح بين 18 و25 درجة مئوية.
  3. تُنقل الأكياس إلى غرف التخمير البارد، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى أقل من 10 درجات مئوية لمدة 14 ساعة.
  4. تؤدي هذه الصدمة الحرارية إلى إبطاء عملية التخمير، مما يُنتج نكهات أكثر تعقيدًا ويحفظ توازن الأحماض العضوية.
  5. تستمر هذه العملية بين 7 و12 يومًا، مما يسمح بإنتاج قهوة بطابع حسي متطور وعمق نكهوي استثنائي.
  6. بعد انتهاء التخمير، تُنقل الحبوب إلى أسرّة التجفيف الهوائي تحت أشعة الشمس لاستكمال العملية الطبيعية.

التجارب التطبيقية على الطريقة

قامت شركة دُرر القهوة المختصة بتطبيق تقنية “اتش أند سي” على نوعين من القهوة اليمنية المزروعة في مزارع متعددة ضمن منطقتين مختلفتين من مراكز الإنتاج التابعة لها:

سمارة – محافظة إب

السلالة: عُديني

الارتفاع: 1900-2100 مترًا عن سطح البحر

حراز – محافظة صنعاء

السلالة: جعدي

الارتفاع: 2000-2300 مترًا عن سطح البحر

أظهرت نتائج التقييم تحسنًا واضحًا في جودة المحاصيل، خاصة فيما يتعلق بوضوح الروائح العطرية وتعقيد النكهات الفاكهية، مما عزز مكانتها بين محبي القهوة المختصة.

كيف تؤثر “اتش أند سي” على النكهة؟

تكمن قوة هذه التقنية في تحفيز التفاعلات الكيميائية داخل الحبة نفسها، حيث يساعد الانتقال الحراري بين الدفء والبرودة على إطلاق مركبات عطرية أكثر تعقيدًا، مما يمنح القهوة اليمنية نكهة أوضح وأكثر اتزانًا.

زيادة وضوح الروائح العطرية: تظهر النكهات الفاكهية والزهور بشكل أكثر بروزًا.

تحقيق توازن مثالي بين الحموضة والحلاوة: بفضل التحكم في النشاط الميكروبي، مما يؤدي إلى تجربة تذوق متناغمة.

تعزيز العمق النكهوي: مما يجعل القهوة تتطور في الفم، مع مزيج غني من الإيحاءات المعقدة.

التأثير على سوق القهوة المختصة

لم تمر هذه التقنية مرور الكرام، فقد أحدثت تأثيرًا ملحوظًا في الأسواق العالمية، حيث ازدادت قيمة القهوة اليمنية المعالجة بهذه الطريقة، وأصبحت محور اهتمام المشترين الدوليين في المزادات المتخصصة. في المزاد الوطني الأول للبن اليمني عام 2022، حصلت محاصيل “اتش أند سي” على تقييمات مرتفعة، مما يعكس نجاح هذا الأسلوب في تحقيق جودة غير مسبوقة.

هل تشكل “اتش أند سي” مستقبل القهوة اليمنية؟

القهوة ليست مجرد مشروب، بل هي تجربة حسية ترتبط بالمكان والتاريخ والطريقة التي تُزرع وتُحصد وتُعالج بها. ومع تقنية “اتش أند سي”، أصبح لدى المزارعين اليمنيين أداة قوية لتعزيز تنافسية قهوتهم، ليس فقط بالحفاظ على أصالتها، بل بالارتقاء بها إلى مستويات غير مسبوقة.

هذا الابتكار يمثل نقطة تحول في معالجة القهوة اليمنية، فهو ليس مجرد تحسين، بل إعادة تعريف كاملة لكيفية إبراز نكهات القهوة المختصة. واليوم، مع تزايد الطلب على القهوة المعالجة بطرق إبداعية، قد تكون “اتش أند سي” هي المفتاح لفتح آفاق جديدة أمام القهوة اليمنية، وترسيخ مكانتها كواحدة من أرقى وأغنى القهاوي في العالم.

ختامًا

في عالم القهوة المختصة، حيث يبحث عشاق التذوق عن التفرّد والجودة، تأتي “اتش أند سي” لتؤكد أن القهوة اليمنية ليست مجرد إرث من الماضي، بل هي مستقبل يتشكل أمام أعيننا.

بفضل هذه التقنية، لم تعد المعالجة مجرد خطوة تقليدية، بل تحوّلت إلى فنٍ وعلمٍ، حيث تتداخل الحرارة والبرودة، والكيمياء والميكروبيولوجيا، لتُنتج لنا كوبًا من القهوة يحمل توقيع اليمن العريق، بنكهة تحمل عبق جباله الشاهقة وروحه التي لا تُقهر.

Spread the love
نشر في :