الكاتب: قهوة ورلد |
التاريخ: 12 يونيو 2026
ليلى بن بريك.. جسور ثقافية عبر الفن – حوار حصري مع مديرة الجناح الوطني لدولة الإمارات في بينالي البندقية
أبرز النقاط:
- ليلى بن بريك عاشت في خمس دول: الإمارات، كندا، السعودية، مصر، إنجلترا – مما شكل هويتها الثقافية المتعددة الطبقات والمتطورة.
- كمديرة للجناح الوطني الإماراتي، تترجم التراث الإماراتي غير المكتشف إلى لغة عالمية من خلال البحث الدقيق والحوار الصادق.
- الإمارات فازت بالأسد الذهبي في بينالي البندقية 2021 – اعتراف دولي بسنوات من الاستثمار الثقافي.
- خلفيتها كفنانة تشكيلية تؤثر على قراراتها الإدارية، وتجعلها تتعامل مع الإدارة كـ”تكوين ثقافي”.
- أرسلت نحو 300 متدرب إلى البندقية عبر برنامج الجناح، يعودون بثقة أكبر وآفاق أوسع كمساهمين فاعلين في الحوار الثقافي العالمي.
- تؤمن بن بريك بأن الفن هو الأداة الأقوى للدمج المجتمعي، لتعزيز التعاطف والتبادل بما يتجاوز اللغة والجغرافيا.
ليس كل من يدير فناً كان فناناً. وليس كل فنان يستطيع أن يترجم شغفه الداخلي إلى رؤية مؤسسية تمتد لعقود. ليلى بن بريك تجمع بين العالمين: عين فنانة درست الرسم والنحت في كندا، وذهن استراتيجي يقود الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في أعرق محفل فني في العالم.
خمس دول عاشت فيها: الإمارات، كندا، السعودية، مصر، إنجلترا. ثقافات متعددة شكلت هويتها. كل مكان ترك نكهة في روحها، وجعلها تؤمن بأن الهوية ليست ثابتة، بل شيء حي يتنفس ويتغير. هذا التنقل بين الجغرافيات لم يشتتها، بل منحها أداة نادرة: القدرة على الترجمة. ليس بين اللغات فقط، بل بين وجهات النظر العالمية.
في عام 2021، وفي لحظة فارقة، وقفت ليلى مع فريقها لتسمع خبر فوز الإمارات بالأسد الذهبي في بينالي البندقية. لم يكن ذلك مجرد جائزة. كان اعترافاً دولياً بسنوات من الاستثمار الصامت في الفنانين والباحثين والبنية التحتية الثقافية. كان إثباتاً أن سرداً دقيقاً ينبثق من الإمارات يمكن أن يكون في قلب الحوار الثقافي العالمي.
لكن ليلى لم تكتفِ بالفوز. أطلقت برنامجاً للمتدربين، أرسلت من خلاله نحو 300 شاب وشابة إلى البندقية ليكونوا سفراء لثقافتهم. يعودون محملين بثقة جديدة، وآفاق أوسع، وإدراك أنهم ليسوا مشاهدين في المشهد الثقافي العالمي، بل مساهمين فاعلين.
في هذا الحوار العميق، تكشف ليلى بن بريك عن فلسفتها في بناء الجسور بين التراث الإماراتي غير المكتشف والجمهور العالمي. تتحدث عن التحول من الرسم والنحت إلى إدارة جناح وطني، وعن إيمانها الراسخ بأن الفن هو الوسيلة الأقوى لدمج المجتمعات المتنوعة. ندعوكم للتعرف على قصة الجناح الإماراتي في بينالي البندقية من خلال عيون المرأة التي تقف خلفه – رحلة من هوية متعددة الطبقات، وفوز تاريخي، ورؤية تمتد إلى المستقبل.

المحور الأول: الهوية الثقافية والجسر العالمي
بعد أن عشتُ في بلدانٍ عديدة، أدركتُ أن الهوية ليست شيئًا ثابتًا، بل هي شيءٌ متعدد الطبقات ومتطور باستمرار. لقد شكّل كل مكانٍ طريقة استماعي وملاحظتي وفهمي للطرق التي أبني بها، أنا ومن حولي، المعنى والانتماء. وقد منحني التنقل بين المناطق الجغرافية والثقافات تقديرًا للانفتاح وفكرة أن الهويات المتعددة يمكن أن تتعايش دون تناقض. مكّنني هذا الانفتاح من تطوير فهمٍ عميقٍ للثقافة وقيمة الاستمرارية والتقاليد، والشعور بأن الثقافة حيةٌ وعضويةٌ ودائمة الحركة.
بشكلٍ عام، أستطيع القول إن تجاربي جعلتني شديد الانتباه للترجمة – ليس فقط بين اللغات، بل بين وجهات النظر العالمية. لقد رسّخت قناعتي بأن العمل الثقافي يدور في جوهره حول بناء جسور بين السياقات مع الحفاظ على التعقيد والفروق الدقيقة.
تُتيح المشاركة في بينالي البندقية فرصةً للمشاركة ودعوة الجمهور إلى حوار يتجاوز الحدود الجغرافية. فعندما يكون المعرض صادقًا في تعامله مع المكان، يُمكن أن يتردد صداه: ليس من خلال التبسيط، بل من خلال الدعوة إلى الحوار.
وقّعت دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقية طويلة الأمد مع بينالي البندقية عام 2013. وقد أتاح لنا ذلك فرصة بناء سردياتنا تدريجيًا، وكل عام نشارك فيه يُتيح لنا فرصةً لتجاوز السرديات المألوفة أو النمطية، وبدلًا من ذلك، نعمل مع كل فريق قيّم على خلق مساحة لقصة أكثر تعقيدًا ودقةً تُبرز العمق الفكري للإنتاج الثقافي الإماراتي.
يتمثل دورنا في صياغة الحوارات وقصصنا بعناية بحيث تُصبح خصوصيتها مصدرًا لعالميتها. ونحقق ذلك من خلال البحث الدقيق، والتعاون الوثيق مع الفنانين والقيّمين، وتأسيس كل معرض على أسئلة متجذرة محليًا وذات صدى عالمي.
كانت لحظة استثنائية، اتسمت بالاحتفال والشعور العميق بالمسؤولية. كان إدراكنا لفوز دولة الإمارات العربية المتحدة بجائزة الأسد الذهبي مؤثراً للغاية، لأنه يمثل اعترافاً دولياً ليس فقط بمعرض واحد، بل لسنوات من الاستثمار المتواصل في الفنانين والقيمين الفنيين والبحوث والبنية التحتية الثقافية.
وما زاد تلك اللحظة أهمية هو ما رمزت إليه: أن سرداً دقيقاً ونقدياً ينبثق من دولة الإمارات يمكن أن يكون في صميم حوار ثقافي عالمي.
كما غيّر هذا الإنجاز نظرتنا إلى ما هو ممكن. وأكد من جديد أن دور الجناح ليس مجرد المشاركة، بل الريادة – من خلال تكليف الباحثين، ودعم الممارسات الفنية التجريبية، وتنمية الأجيال القادمة عبر مبادرات مثل برنامج التدريب في البندقية، الذي يساهم خريجوه اليوم في مختلف قطاعات الثقافة في دولة الإمارات.
رفعت هذه الجائزة سقف طموحاتنا جميعاً. وعززت التزامنا ببناء جناح لا يُعرَّف بإنجازات منفردة، بل بتأثير طويل الأمد: خلق إرث فكري وثقافي دائم يستمر في تشكيل فهم دولة الإمارات على الصعيد العالمي.

المحور الثاني: الفنانة خلف الإدارية
يُوازن الفنان باستمرار بين الحدس والتجريب من جهة، والانضباط من جهة أخرى، وبين المفهوم والتنفيذ، وبين الرؤية والقيود المادية من جهة أخرى. تنطبق هذه المبادئ نفسها على جميع مجالات الحياة، وفي هذه الحالة تحديدًا على إدارة الجناح الوطني.
لقد صقلت خبرتي كفنانة فهمي لكيفية تشكّل الأفكار، وقيمة التجريب، وكيفية بناء المعنى من خلال السياق والتناسب والإيقاع والعلاقات بين العناصر.
يُمكّنني هذا من التعامل مع الإدارة لا كعمل تشغيلي بحت، بل كشكل من أشكال التكوين الثقافي. فبناء معرض، وتنمية الشراكات، وتوجيه المواهب الصاعدة، وصياغة رؤية مؤسسية طويلة الأمد، كلها تتطلب الحساسية نفسها للهيكلة والتماسك والنية التي تتطلبها الممارسة الفنية.
كما تُنمّي عين الفنانة الصبر على التجريب. فبعض أهم النتائج الثقافية تظهر من خلال عمليات متكررة واستكشافية. غالبًا ما يتمثل دوري في تهيئة الظروف التي تُتيح لهذا التجريب الازدهار مع ضمان دعمه بأطر عمل وجداول زمنية صارمة.
لو أردتُ اليوم أن أُبدع عملاً فنياً يعكس المشهد الفني المعاصر في دولة الإمارات، لكان محور اهتمامي التحول، وتحديداً التناغم القائم بين الثبات والتغير.
يتميز المشهد الفني المعاصر في الإمارات بانفتاح فكري ملحوظ، ويتشكل من خلال حوارات عابرة للأجيال والمناطق الجغرافية والتخصصات. هناك طاقة متجددة، وثقة في التجريب مقرونة بتفاعل مستمر مع التاريخ واللغة والانتماء. يسود شعورٌ بالترقب والطمأنينة في آنٍ واحد: شعورٌ بثقافة تُعيد تعريف نفسها باستمرار مع رسوخها العميق في مكانها.

المحور الثالث: تمكين المجتمع والشباب
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو التحول في الثقة بالنفس. يصل الكثيرون بفضول وإمكانات كبيرة، لكن البندقية غالبًا ما تمنحهم تجربةً مُغيّرة: إدراكهم لانتمائهم إلى الحوارات الثقافية العالمية، لا كمُشاهدين، بل كمساهمين. تُعرّضهم هذه التجربة للخطاب الفني الدولي على أعلى المستويات، وتُرسّخ مكانتهم كممثلين لدولة الإمارات العربية المتحدة. هذا المزيج من المسؤولية والاطلاع غالبًا ما يُحفّز نموًا استثنائيًا.
هدفنا أن يعودوا بآفاق أوسع، ورؤى نقدية أكثر دقة، وفهم أعمق لأهمية الثقافة في الدبلوماسية الثقافية. لم يكن الهدف يومًا مجرد توفير فرص الاطلاع، بل هو تنشئة جيل قادر على بناء ودعم البنية التحتية الثقافية للمستقبل. إن رؤية هذا التأثير طويل الأمد يتكشف أمام عيني هو أحد أكثر جوانب عملي إرضاءً.
الأمر الأكثر أهمية هو رؤية كيف ساهم العديد من الخريجين في تشكيل النظام الثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة، في المتاحف والمؤسسات والمعارض والأوساط الأكاديمية والمؤسسات الإبداعية. هذا هو النجاح الأكبر للبرنامج.
يُنشئ الفن أشكالاً من التواصل تتجاوز في كثير من الأحيان حدود اللغة والجغرافيا والاختلاف. ما يمنحه قوته الفريدة هو قدرته على خلق فضاء مشترك، فضاءاتٌ يستطيع فيها الناس التعرّف على وجهات نظر مختلفة عن وجهات نظرهم، والتفاعل مع التعقيد بدافع الفضول لا الدفاع.
من خلال عملي، رأيت كيف يفتح الفن آفاقاً للحوار لا تستطيع أشكال التفاعل الأخرى فتحها. فهو يُتيح للناس خوض نقاشات صعبة أو غير مألوفة عبر العاطفة والخيال والتأمل. كما يُتيح لهم فرصاً لإدراك الاختلاف والتشابه على حد سواء، ورؤية كيف يمكن لتجارب حياتية متباينة أن تتعايش، وتُثري بعضها بعضاً، وتُعمّق فهمنا للعالم. في جوهرها، تُبنى المجتمعات على التعاطف والتبادل، والفن يُنمّي كليهما.
هذا الحوار هو نافذة على فلسفة ثقافية متكاملة. خلف كل جناح وطني في بينالي البندقية، هناك رؤية، وهناك فريق، وهناك قصة. ليلى بن بريك تقدم نموذجاً للإدارة الثقافية التي لا تفصل بين الفن والسياسة الثقافية، وبين التدريب وبناء الجيل القادم، وبين المحلي والعالمي.
ندعوكم لاستكشاف المزيد عن الجناح الوطني لدولة الإمارات في بينالي البندقية، وعن البرامج والمبادرات التي تقودها ليلى وفريقها، من خلال متابعة حسابات الجناح الرسمية وموقع بينالي البندقية. هذا الحوار هو مجرد بداية لفهم أعمق لكيفية بناء جسر ثقافي بين الإمارات والعالم.
أجرى الحوار: قهوة ورلد – مع ليلى بن بريك، مديرة الجناح الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في بينالي البندقية.
جميع الحقوق محفوظة. يُسمح بإعادة النشر مع ذكر المصدر.
تاريخ النشر: 12 يونيو 2026

