لندن – قهوة ورلد
كشف التقرير الشهري الأخير الصادر عن منظمة القهوة الدولية لشهر فبراير 2026 عن تحول دراماتيكي قد يغير موازين القوى في سوق “القهوة” العالمي لسنوات قادمة. فبعد حقبة من الشح والأسعار القياسية التي أرهقت كاهل الموردين والمستهلكين على حد سواء، أعلن التقرير عن تراجع حاد في المؤشرات السعرية، مدفوعاً بـ “تسونامي” من الإمدادات البرازيلية والفيتنامية المرتقبة، مما يضع السوق رسمياً على أعتاب فائض تاريخي ينهي دورة العجز التي استمرت ثلاث سنوات متتالية.
- زلزال الأسعار
سجل مؤشر الأسعار المركب التابع للمنظمة في فبراير متوسطاً قدره 267.57 سنت أمريكي للرطل، وهو ما يمثل انخفاضاً حاداً بنسبة 9.9% مقارنة بشهر يناير. هذا التراجع ليس مجرد تذبذب عابر، بل هو انعكاس لضغوط بيعية هائلة في البورصات العالمية؛ حيث بدأ المؤشر الشهر عند ذروة بلغت 289.47 سنت لينحدر بحلول نهاية الشهر إلى 248.86 سنت، وهو أدنى مستوى يسجله منذ أغسطس 2025.
ولم تنجُ أي من الفئات الرئيسية من هذه الموجة التراجعية، حيث أظهر التحليل الإحصائي للمنظمة النتائج التالية:
القهوة الكولومبية الطرية: سجلت انخفاضاً بنسبة 11.0% لتستقر عند 330.89 سنت.
القهوة الطرية الأخرى: تراجعت بنسبة 11.7% لتصل إلى 321.35 سنت.
القهوة الطبيعية البرازيلية: انكمشت بنسبة 10.2% لتبلغ 308.62 سنت.
قهوة الروبوستا: كانت الأكثر تماسكاً بتراجع بلغت نسبته 6.6% فقط، وهو ما يعزوه الخبراء إلى توجه المحامص العالمية لزيادة نسبة الروبوستا في خلطاتها التجارية كحل استراتيجي لتقليل التكاليف الإجمالية، مما خلق طلباً مستداماً حافظ على مستويات سعرية متوازنة لهذا النوع.
- رياح البرازيل وفيتنام
يرى محللو المنظمة أن السبب الجوهري وراء هذا “التصحيح السعري” يكمن في التقارير المتفائلة الصادرة عن شركة الإمداد الوطنية البرازيلية (كوناب)، والتي رفعت سقف التوقعات لمحصول موسم 2026/27 إلى 66.2 مليون كيس، بزيادة سنوية ضخمة تصل إلى 17.1%.
هذه التوقعات لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى تحسن ملموس في الظروف المناخية وهطول أمطار غزيرة ومنتظمة في مناطق الزراعة الرئيسية مثل “ميناس جيرايس” و”إسبيريتو سانتو”، بالإضافة إلى تحسن التوقعات في المرتفعات الوسطى في فيتنام. هذه العوامل دفعت مؤسسات مالية دولية كبرى للتنبؤ بفائض عالمي قد يصل إلى 8.64 مليون كيس، مما دفع صناديق الاستثمار الكبرى لتسييل مراكزها الشرائية والتحول نحو البيع، وهو ما يفسر انكماش الفارق السعري (Arbitrage) بين بورصتي لندن ونيويورك بنسبة 20.7%.
اقرأ أيضا:المنظمة الدولية للقهوة تصدر تقرير سوق القهوة العالمي – ديسمبر 2025
- خارطة التجارة العالمية: قفزة في آسيا وانكماش في أمريكا اللاتينية
على صعيد الصادرات، شهد شهر يناير 2026 شحن 10.85 مليون كيس من البن الأخضر، بزيادة قدرها 12.7% عن يناير 2025. ولكن، خلف هذا الرقم الإجمالي تكمن فوارق جغرافية تعكس التحديات اللوجستية والإنتاجية لكل إقليم:
آسيا وأوقيانوسيا: حققت القارة نمواً مذهلاً بنسبة 51.8%، حيث صدرت فيتنام وحدها 3.99 مليون كيس في يناير، مستفيدة من تسارع عمليات الشحن لتلبية الطلب العالمي قبل عطلة عيد “تيت” الوطنية.
أفريقيا: استمر التعافي الأفريقي بنمو قدره 14.2%، مع أداء استثنائي لإثيوبيا التي زادت شحناتها بنسبة 51.5%، وأوغندا بنسبة 11.2%، مما يعكس تحسناً ملموساً في سلاسل الإمداد الداخلية للقارة السمراء.
أمريكا الجنوبية: سجلت تراجعاً مفاجئاً بنسبة 21.3%، حيث هوى الإنتاج في كولومبيا بنسبة 34.1% نتيجة تقلبات مناخية موضعية غير مواتية، مما أثر سلباً على تدفقات “القهوة الكولومبية الفاخرة” إلى الأسواق العالمية.
المكسيك وأمريكا الوسطى: سجلت انخفاضاً طفيفاً بنسبة 4.2%، مع معاناة هندوراس من تراجع حاد بنسبة 28.7% في صادراتها نتيجة نقص العمالة الموسمية وبعض التحديات اللوجستية.
- المخزونات والقهوة المصنعة
لأول مرة منذ فترات طويلة، يشير تقرير منظمة القهوة الدولية إلى تحسن طفيف في المخزونات المعتمدة؛ حيث ارتفعت مخزونات بورصة نيويورك بنسبة 11.4% لتصل إلى 0.52 مليون كيس، بينما زادت مخزونات بورصة لندن بنسبة 3.1% لتستقر عند 0.76 مليون كيس. هذا الارتفاع يمنح السوق “وسادة أمان” نسبية ضد أي صدمات مناخية أو سياسية مفاجئة.
كما برزت ظاهرة لافتة في التقرير تتعلق بتصدير “القهوة المحمصة” التي قفزت بنسبة 25.2%، مما يشير إلى تحول استراتيجي في دول المنشأ نحو التصنيع المحلي لزيادة القيمة المضافة لمنتجاتها، بدلاً من الاعتماد الكلي على تصدير المادة الخام، بينما نمت صادرات القهوة القابلة للذوبان بنسبة هادئة بلغت 1.9%.
- مفارقة التجزئة
توقف التقرير عند نقطة جوهرية تمس الاقتصاد المعيشي؛ فرغم الانهيار السعري في البورصات العالمية، كشف التقرير عن مفارقة مؤلمة للمستهلك النهائي؛ فقد ارتفعت أسعار التجزئة في الولايات المتحدة بنسبة 18.3% على أساس سنوي في يناير 2026. هذا التضخم المستمر، الذي بلغ 47% تراكمياً في غضون 5 سنوات، يعود بشكل رئيسي لارتفاع تكاليف اللوجستيات، الطاقة، وأجور العمالة في دول الاستهلاك، بالإضافة إلى تراكم الديون الاستهلاكية التي بدأت تضغط بوضوح على القوة الشرائية، مما قد يهدد نمو الاستهلاك العالمي المتوقع بنسبة 1.7% ليصل إلى 174.4 مليون كيس.
- الخلاصة
نحن أمام مرحلة “إعادة ضبط” شاملة لموازين سوق القهوة؛ فالسوق يتجه حالياً لتقليص العجز العالمي إلى 0.4 مليون كيس فقط لهذا الموسم، تمهيداً للفائض التاريخي المرتقب في العام القادم. بالنسبة للمستثمرين، المحامص، والمستهلكين، فإن تقرير فبراير 2026 هو “صافرة النهاية” لمرحلة المضاربات المحمومة والشح المزمن، وبداية لمرحلة استقرار سعري تقوده وفرة الإنتاج البرازيلية والكفاءة اللوجستية الفيتنامية.

