دبي – قهوة ورلد

في الوقت الذي يواجه فيه العالم أزمة مناخية متصاعدة تفرز ضغوطاً غير مسبوقة على استدامة الإنتاج الزراعي، تبرز القهوة كأحد أكثر المحاصيل تأثراً بهذه التحولات التي تهدد سلاسل التوريد العالمية. ومن هذا المنطلق، تقود المنظمة العالمية لأبحاث القهوة جهوداً دولية حثيثة لتطوير أصناف جديدة تمتاز بالأداء العالي والقدرة الفائقة على التكيف مع المناخ المتقلب. وقد شهد شهر نوفمبر من عام 2025 تحولاً استراتيجياً في مسار هذه الأبحاث، حيث أعلنت المنظمة عن توسيع شبكة “إنوفيا” العالمية لتربية القهوة لتشمل لأول مرة أصناف الروبوستا بشكل كامل. وتأتي هذه الخطوة استجابةً للواقع الجديد الذي يفرضه التغير المناخي، حيث لم يعد الاعتماد على أصناف الأرابيكا وحدها كافياً لتأمين مستقبل الصناعة. وبصفتها عضواً فاعلاً في المنظمة العالمية لأبحاث القهوة، أعربت شركة “سوكافينا” عن فخرها بدعم هذا البحث الجوهري، مؤكدة أن الاستثمار في تطوير الأصناف هو السبيل الوحيد لحماية مستقبل القهوة وتأمين سبل عيش المزارعين الذين يمثلون حجر الزاوية في هذه الصناعة.

إن ظروف زراعة القهوة حول العالم تمر بحالة من التطور القسري والاضطراب المستمر، ما يفرض على المزارعين في بلدان المنشأ ضرورة التكيف مع أنماط الطقس التي لم تعد تخضع للتوقعات التقليدية، فضلاً عن مواجهة سلالات جديدة من الآفات والأمراض التي تجد في ارتفاع درجات الحرارة بيئة خصبة للانتشار. وهنا تبرز الأهمية القصوى لتطوير أصناف جديدة ذات كفاءة إنتاجية عالية، حيث تعمل هذه الأصناف كدرع واقٍ يساعد المزارعين على تخفيف آثار الإجهاد البيئي وضمان استمرارية المحاصيل بإنتاجية موثوقة. ومع ذلك، يواجه القطاع تحدياً زمنياً كبيراً؛ فعملية تطوير صنف جديد واختباره علمياً ثم إطلاقه تجارياً هي رحلة شاقة ومعقدة قد تستغرق في العادة عقوداً من الزمن، وهي فجوة زمنية لا يملك العالم رفاهية انتظارها في ظل تسارع وتيرة التغير المناخي. ولأجل معالجة هذه المعضلة، كان لا بد من وجود تعاون دولي عملي وطويل الأمد، وهو الدور المحوري الذي تضطلع به المنظمة العالمية لأبحاث القهوة كمنظمة بحثية تقودها الصناعة لابتكار حلول زراعية واقعية.

لقد كان إطلاق برنامج “إنوفيا” في عام 2022 بمثابة نقطة تحول في تاريخ تربية القهوة، حيث صُمم هذا البرنامج العالمي ليكون بمثابة محرك تسريع لتطوير الأصناف عبر توحيد جهود معاهد البحوث الوطنية والحكومات والقطاع الخاص في إحدى عشرة دولة موزعة على أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. وتعمل هذه الشبكة وفق بروتوكولات تجارب موحدة تنسق جهود التربية على نطاق عالمي، حيث يتم اختبار الأصناف المرشحة في بيئات متنوعة تشمل أنواعاً مختلفة من التربة والمناخات ومستويات الضغط المرضي. ومن خلال تجميع هذه البيانات الضخمة والخبرات العابرة للحدود، يصبح من الممكن تحديد الأصناف الواعدة بوتيرة أسرع بكثير مع ضمان ملاءمتها الكاملة لنظم الزراعة المحلية في كل دولة. هذا النهج المبتكر لم يمر مرور الكرام، بل حظي بتقدير دولي واسع حيث تم إدراج برنامج “إنوفيا” ضمن قائمة مجلة “تايم” لأفضل اختراعات عام 2025، تقديراً لقدرته على تقديم حلول ملموسة لأحد أعقد التحديات الزراعية.

وتوضح فيرن لونج، الرئيس التنفيذي للمنظمة العالمية لأبحاث القهوة، أن هيكلية البرنامج تتيح تحقيق قفزات نوعية في أداء الأصناف بسرعة تفوق أي وقت مضى، حيث ينجح هذا النموذج التعاوني في اختصار الجدول الزمني لتطوير الصنف من ثلاثين عاماً إلى ثماني سنوات فقط. ومع تسارع التحديات المناخية، فإن وجود خط إمداد عالمي يضخ باستمرار أصنافاً محسنة سيوفر للمزارعين الفرصة لتعزيز استقرارهم المالي وتقليل المخاطر التي تهدد الإمدادات العالمية. وبالنظر إلى الواقع التاريخي، نجد أن معظم جهود التربية كانت تتركز بشكل شبه حصري على صنف الأرابيكا، رغم الصعود القوي والواضح لصنف الروبوستا الذي بات يمثل الآن حوالي 40% من إجمالي الإنتاج العالمي. إن هذا الصعود لا يعود فقط لسهولة الإنتاج أو مقاومة الحرارة والآفات، بل يرجع أيضاً إلى ديناميكيات السوق وتحولات الاستهلاك العالمي. وتمتاز الروبوستا بتنوع جيني أكبر بكثير من الأرابيكا كونها أقدم منها تطورياً، لكن تربيتها تظل أكثر تعقيداً لكونها لا تلقح نفسها ذاتياً، مما يتطلب إدارة دقيقة ومعقدة للنباتات الأم. في عام 2024، بدأت المنظمة العالمية لأبحاث القهوة تركيزها الفعلي على الروبوستا، ليتوج ذلك بدمجها الكامل في شبكة “إنوفيا” في أواخر عام 2025، مطبقةً نفس النهج المعتمد على البيانات والتعاون الدولي، مما يضع حجر الأساس لمستقبل أكثر إشراقاً واستدامة لمزارعي الغد ولقطاع القهوة بأكمله.