حوار خاص وحصري مع السيد مايكل ترونغ، المدرب المعتمد من جمعية القهوة المختصة، ومؤسس علامة «آي أو كافيه» الفيتنامية

دبي – علي الزكري

تبدأ أغلب الأحاديث عن القهوة بنوتة تذوق: الشوكولاتة، الياسمين، الفواكه المجففة. ولكن ماذا لو بدأنا بدلا من ذلك بحاوية شحن عالقة في الجمارك؟ أو بمزارع يشاهد أشهرا من العمل تضيع في ساعة واحدة بسبب المطر؟

السيد مايكل ترونغ قضى أكثر من 25 عاما في مجال الخدمات اللوجستية الدولية. ينقل البضائع، ويحل أزمات الموانئ، ويلاحق الأوراق. ثم بعد الخمسين، فعل شيئا غير متوقع. صار تلميذا في عالم القهوة. وهو اليوم مدرب معتمد من جمعية القهوة المختصة، ومستشار في مجال القهوة، ومؤسس علامة «آي أو كافيه»، حيث يقوم بالتحميص داخل فيتنام ليبقي القيمة عند أيدي الذين يزرعون الحبة.

في هذه المقابلة الصريحة، يشرح مايكل كيف جلبته الجائحة إلى بداية جديدة، وما معنى «ابتسامة القهوة» الحزينة، وكيف علمته الخبرة اللوجستية ألا يحترم الحبة فقط، بل كل الأيدي التي تلمسها.

إذا كنت ممن يهتمون بما وراء فناجين قهوتك، ليس فقط قصة المصدر، بل سلسلة الإمداد الحقيقية، فهذه المقابلة لك.

  • لقد قضيت أكثر من 25 عاما في مجال الخدمات اللوجستية، ثم انتقلت فجأة إلى عالم القهوة المختصة. كيف حدث ذلك؟ وهل ساعدتك الخبرة اللوجستية في رؤية القهوة بشكل مختلف؟

أنا قادم من قطاع الخدمات. قضيت أكثر من 25 عاما في مجال الشحن الدولي. أحل مشاكل الجمارك، وتأخير الشحنات، وازدحام الموانئ، وأتلقى المكالمات في كل ساعة فقط للحفاظ على سير البضائع. كانت تلك حياتي لزمن طويل.

ثم جاءت الجائحة وتباطأ كل شيء. ولأول مرة منذ سنوات، وجدت وقتا لأجلس بهدوء وأتأمل. أدركت أنني أعرف كيف أنقل القهوة حول العالم، لكنني لا أعرف شيئا عن الناس الذين يزرعونها. لم أكن أعرف الزراعة، ولا التربة، ولا الجهد الكبير الذي يحدث قبل أن تصل الحبة إلى مستودع أو مقهى.

هذه كانت حياة بدايتي بعد الخمسين. في عمر يعتقد فيه كثيرون أنهم سيبدأون بالتراجع، صرت مبتدئا من جديد. ولأنني قادم من مجال الخدمات اللوجستية، لم أدخل عالم القهوة كخبير. بل دخلت كتلميذ. في الخدمات اللوجستية، تتعلم أن تحترم الرحلة من النقطة (أ) إلى النقطة (ب). أما في القهوة، فقد تعلمت أن أحترم الأشخاص الذين يقفون في بداية تلك الرحلة. بصراحة، القهوة علمتني شيئا واحدا. كلما عرفت أكثر، أدركت أنني لا أعرف.

  • أسست علامة «آي أو كافيه» بعد مسيرتك الطويلة في الخدمات اللوجستية. كيف تستخدم تلك الخبرة لتحسين سلسلة القهوة؟ وهل غيرت طريقة شحن القهوة بسبب الأخطاء التي رأيتها؟

نعم، كثيرا. في الخدمات اللوجستية، خطأ صغير في البداية يتحول إلى مشكلة عملاقة لاحقا. لقد عشت الكوابيس الحقيقية. فخ الرمز الجمركي في الجمارك، أو فقدان الشهادات، أو بقاء البضاعة في الميناء بسبب الازدحام. القهوة حساسة جداً لكل هذا. إذا بقيت في حاوية ساخنة أثناء تأخير الميناء، أو بالقرب من شيء ذي رائحة كريهة بسبب سوء اختيار المعدات، فإن النكهة تختفي.

بسبب خلفيتي، أهتم بشكل طبيعي بتدفق الهواء، والتحكم في الرطوبة، والتغليف، ونظافة الحاويات لحماية الحبة من المزرعة حتى الفنجان. ولكن أكبر شيء كان رؤيتي لقلة القيمة التي تبقى لدى المزارعين. ولهذا نقوم بالتحميص في فيتنام في علامة «آي أو كافيه». أؤمن بأن منطقة المنشأ يجب أن تحتفظ بقدر أكبر من المكافأة، وليس فقط تصدير المادة الخام.

بالنسبة لي، الاستدامة ليست مجرد كلمة تسويقية. إنها حماية للجهد الكامن وراء القهوة. ولهذا نقول دائما: احترم الحبة. احترم الأيدي.

  • ما الذي دفعك لتصبح مدربا معتمدا من جمعية القهوة المختصة وتبدأ قناة «مايكل باريستا» على موقع يوتيوب؟

كنت أعتقد أن القهوة بسيطة. ولكن بمجرد أن تتعمق، ترى أنها جامعة كاملة داخل حبة صغيرة. كيمياء، زراعة، تحميص، وعلم التذوق، كلها متصلة. لم أرغب في أن أكون مجرد رجل يملك رأيا. أردت أن أتعلم المعايير المهنية الدولية. وهذا ما قادني لأصبح مدربا معتمدا من جمعية القهوة المختصة.

قناة يوتيوب جاءت بشكل طبيعي. بدأت قناة «مايكل باريستا» لتوثيق رحلتي بأمانة، بما في ذلك أخطائي. أنا لست أستاذا. أنا مجرد شخص قادم من خارج هذا العالم يشارك ما يكتشفه، لكي يشعر الجيل الأصغر أن القهوة شيء يمكنهم الاقتراب منه. تعلمت أيضا أنه اليوم، القهوة الجيدة وحدها لا تكفي. أنت بحاجة إلى سرد القصص وإلى تواصل حقيقي مع الناس.

  • خلال رحلاتك العديدة إلى مزارع القهوة، ما هي ثلاثة أشياء لم تتوقع رؤيتها أبدا؟

أولا: التضحية. لم أتوقع أبدا هذا المستوى الهائل من الجهد البدني. رؤية المزارعين يقطفون الثمار تحت الشمس الحارقة. تلك حياة رجل، وليس مجرد منتج.

ثانيا: الهشاشة أو «ابتسامة القهوة». في الخدمات اللوجستية، التوقيت مهم. في القهوة، التوقيت هو كل شيء. تعلمت قصة حزينة في المزارع. إذا هطل المطر بشكل غير متوقع أثناء موسم الحصاد، تنفجر الثمار الناضجة. نسمي هذا «ابتسامة القهوة»، ولكن عندما تبتسم القهوة، يبكي المزارع. في بضع ساعات فقط من المطر، تتحلل أشهر من العمل الشاق. هذا جعلني أدرك كم هي حساسة هذه الرحلة.

ثالثا: الأمل. أرى مزارعين أصغر سنا يعودون إلى المزارع بأفكار جديدة مع احترامهم للجيل الأكبر. إنهم يجلبون العلم والاستدامة إلى التراب، وهذا يعطيني أملا في مستقبل القهوة الفيتنامية.

  • فيتنام منتج كبير لحبوب روبوستا. كيف ننتقل نحو «القيمة» بدلا من «الكمية» فقط؟

لسنوات عديدة، اشتهرت فيتنام بالكمية في الغالب. لكنني الآن أرى المزيد من الناس يركزون على الجودة والشفافية وحبوب الروبوستا الفاخرة. الناس حول العالم لم يعودوا يريدون فقط نوتات النكهة. بل يريدون معرفة من أنتج القهوة وكيف تم التعامل معها.

ما زلت أتعلم كيفية الموازنة بين عقلي التشغيلي اللوجستي وبين جانب سرد القصص. في الخدمات اللوجستية، كنا فقط ننقل البضائع. أما في القهوة، فعلينا أن نشارك القلب الكامن وراء العمل. لا أعتقد أننا بحاجة إلى الكثير من الضجيج. القهوة الجيدة تتحدث بهدوء. أفضل ما يمكننا فعله هو مواصلة التحسن. شيئا فشيئا، موسما بعد موسم، وفنجانا بعد فنجان.

السيد مايكل ترونغ هو مدرب معتمد من جمعية القهوة المختصة ومؤسس علامة «آي أو كافيه» في فيتنام. يمكنكم متابعة محتواه التعليمي على يوتيوب باسم «مايكل باريستا».