دبي – قهوة ورلد

في واحدة من أوسع الدراسات العلمية خلال العقد الحالي، كشف فريق بحثي من معهد كونمينغ للنباتات عن أبعاد غير مسبوقة في التركيب الجزيئي للقهوة، ناقلاً هذا المشروب اليومي من كونه منبهاً تقليدياً إلى ما يشبه «صيدلية طبيعية» متكاملة. الدراسة، التي استندت إلى سنوات من العمل المخبري المكثف، لم تكتف بإثبات الفوائد الصحية للقهوة، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر تفسير الآلية الجزيئية الدقيقة التي تتفاعل بها مكوناتها مع خلايا الجسم.

واعتمد الباحثون على تقنيات الرنين المغناطيسي النووي فائق الدقة لتحديد ستة إسترات ديتيربين جديدة أطلق عليها اسم «الكافالديهايدات»، أبرزها Caffaldehydes A-C. وتكمن أهمية هذه الجزيئات في قدرتها على الارتباط بالمواقع النشطة لإنزيم «ألفا-غلوكوزيداز» المسؤول عن تفكيك الكربوهيدرات المعقدة في الأمعاء الدقيقة وتحويلها إلى غلوكوز سريع الامتصاص في الدم. تعطيل هذا الإنزيم أو إبطاء عمله يعني عملياً تقليل سرعة امتصاص السكر، ما يحد من الارتفاعات الحادة في مستوى الغلوكوز التي ترتبط على المدى الطويل بتلف الأوعية الدموية ومضاعفات السكري.

وأظهرت التجارب المقارنة أن مركبات القهوة المكتشفة حققت قيماً عالية في تثبيط هذا الإنزيم، متفوقة من حيث الفاعلية على دواء «أكاربوز» المستخدم سريرياً للغرض نفسه. وبينما يتطلب الدواء الكيميائي جرعات محددة قد ترافقها اضطرابات هضمية، تعمل المركبات الطبيعية الموجودة في قهوة «أرابيكا» المحمصة بانسجام أكبر مع بيئة الجهاز الهضمي، ما يقلل من احتمالات التهيج والآثار الجانبية.

ويرى مختصون أن هذه النتائج تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من «الأغذية الوظيفية»، قد تشمل تطوير مستخلصات قهوة طبية مخصصة لمرضى ما قبل السكري، أو إدخال هذه المركبات في محليات طبيعية منخفضة الأثر الغلايسيمي، إضافة إلى العمل على تحسين سلالات من قهوة أرابيكا لرفع تركيز المواد الوقائية فيها.

كما قارنت الدراسة بين تأثير القهوة وأدوية مقلدات هرمون GLP-1 الشائعة حالياً، موضحة أن الأخيرة تعمل عبر تنظيم الهرمونات، في حين تؤثر القهوة على آلية امتصاص السكر نفسها. وحذر الباحثون في هذا السياق من أن إضافة كميات كبيرة من السكر إلى القهوة قد تلغي هذه الفائدة بالكامل، مؤكدين أن الحد الأقصى الموصى به لا يتجاوز 2.5 غرام من السكر للحفاظ على خصائصها الوقائية.

وبينما لا تزال النتائج بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية قبل اعتمادها كبديل علاجي، إلا أن ما توصل إليه الباحثون يعيد طرح سؤال جوهري: هل تصبح القهوة، في المستقبل القريب، شريكاً أساسياً في الوقاية من السكري وتقليل الاعتماد الكامل على الأدوية؟