حوار خاص مع فيتاوتاس كراتوليس، مؤسس أفضل محمصة قهوة في العالم 2026

دبي – علي الزكري

عندما فازت «هوراكان كوفي» بلقب أفضل محمصة قهوة في العالم لعام 2026 ضمن جوائز القهوة العالمية في سان سلفادور، لم يكن ذلك مجرد إنجاز عابر، بل لحظة تعكس تحوّلًا أوسع في صناعة القهوة المختصة. للمرة الأولى، تصل محمصة من منطقة البلطيق إلى هذا المستوى، متقدمة على أسواق تقليدية لطالما قادت هذا القطاع.

خلف هذا الفوز يقف فيتاوتاس كراتوليس، الذي ارتبطت رحلته الشخصية بتحولات ليتوانيا منذ الاستقلال، وساهم بشكل مباشر في تأسيس مشهد القهوة المختصة في بلاده. من بدايات بسيطة في توزيع القهوة التجارية، إلى بناء شبكة علاقات عالمية مع المزارعين والمشاركة في أهم منصات التقييم الدولية، تشكلت تجربته عبر سنوات من العمل المتواصل والرؤية الواضحة.

في هذا الحوار مع «قهوة وورلد»، يفتح كراتوليس المجال للحديث عن رحلته، وفلسفته في التحميص، ورؤيته لمستقبل القهوة.

نترككم مع هذا الحوار.

  • بدايةً، هل يمكن أن تعرّفنا بنفسك وبقصة تأسيس «هوراكان كوفي»؟

عندما انهار الاتحاد السوفيتي، تغيّر كل شيء. حصلت ليتوانيا على استقلالها عام 1991، وكنت في السابعة عشرة من عمري. كانت لحظة إعادة بناء كاملة، حيث لم تكن هناك أنظمة واضحة أو استقرار اقتصادي، بل شعور عام بضرورة بناء كل شيء من الصفر.

رغم التحديات، كانت تلك الفترة مليئة بالفرص. بدأ الكثير من الشباب، بمن فيهم أنا، في البحث عن دور في هذا الواقع الجديد، سواء من خلال السفر أو العمل أو تأسيس مشاريع.

بدأت العمل في شركة توزيع للقهوة التجارية من دول أوروبية مختلفة. كانت مهمتي بسيطة، لكنني مع الوقت بدأت ألاحظ اهتمام الناس بالقهوة الجيدة، حتى وإن لم يكن لديهم المعرفة الكاملة بها. كما أن للقهوة بُعدًا شخصيًا في حياتي، إذ كانت والدتي تعتمد عليها للتخفيف من الصداع.

التحول الحقيقي جاء عندما تذوقت قهوة محمصة حديثًا لأول مرة. تلك اللحظة دفعتني لشراء آلة تحميص والدخول إلى هذا المجال.

في ذلك الوقت، لم يكن مفهوم القهوة المختصة منتشرًا، ولم أتعرف عليه إلا في عام 2004 خلال مشاركتي في معرض بأثينا، حيث التقيت بشخصيات مؤثرة في هذا المجال. بعد ذلك، عدت إلى فيلنيوس وافتتحت أول مقهى مختص، وأسست مجتمعًا محليًا للقهوة، ونظمنا أول بطولة وطنية، ثم شاركنا في بطولات عالمية.

وفي عام 2005، جاءت نقطة تحول مهمة عندما شاركت كحكم في مسابقة تميز القهوة في نيكاراغوا، وكانت تلك أول زيارة لي إلى بلد منتج، ومن هناك بدأت علاقاتي المباشرة مع المنتجين.

  • كيف كان شعورك عند الفوز بلقب أفضل محمصة قهوة في العالم؟

الشعور كان صعب الوصف. حتى لو حصلنا على المركز الثاني أو الثالث، لكان ذلك إنجازًا كبيرًا. لكن الوصول إلى المركز الأول يجعلك تتوقف وتفكر في الرحلة كلها.

في لحظة الإعلان، كان الإحساس بسيطًا، وهو الامتنان لوجودك في هذا المستوى. أما بعد ذلك، فتبدأ في إدراك أن هذا الإنجاز هو نتيجة سنوات طويلة من العمل.

عندما تأهلنا إلى النهائي، كنا نعتبر ذلك بحد ذاته إنجازًا، خاصة في ظل المنافسة مع أسواق متقدمة. لم نكن نتوقع الفوز، لكننا كنا مستعدين لتقديم أفضل ما لدينا.

  • ما الذي صنع الفارق في هذه المنافسة؟

أحد أهم العوامل كان قدرتنا على الأداء الجيد في عدة فئات، وليس فئة واحدة فقط. هذا التنوع أعطانا قوة إضافية.

لدينا خبرة طويلة في القهوة المفلترة ومشروبات الحليب، كما أن فريقنا لديه سجل قوي في بطولات الباريستا. حتى في فئات لم نركز عليها يوميًا، مثل التحميص الشامل، تمكنا من تحقيق نتائج جيدة.

التوقيت أيضًا كان مهمًا، حيث تزامنت المنافسة مع وصول دفعات مميزة من القهوة التي نحرص على توفيرها سنويًا، مما أتاح لنا تقديم خيارات قوية.

كنا نعمل وفق خطة واضحة، من اختيار القهوة إلى توقيت التحميص، وهذا ساعدنا على تقديم أنفسنا بشكل متكامل.

  • كيف تصف فلسفتكم في التحميص؟

نحن نؤمن أن التحميص يجب أن يتناسب مع طريقة التحضير.

في مشروبات الحليب، نعمل على تحقيق توازن يناسب الحليب. أما في القهوة المفلترة، فنفضل التحميص الخفيف لإبراز خصائص المنشأ.

في الإسبريسو، نبحث عن التوازن والحلاوة، مع حضور مدروس للحموضة. أسلوبنا يقع بين مدارس مختلفة، دون الانحياز الكامل لأي اتجاه.

نحن لا نرفض التجارب الحديثة، لكننا لا نعتبرها الحل الوحيد، بل نركز على ما يحقق أفضل نتيجة في الكوب.

  • ما أهمية علاقتكم بالمزارعين؟

هذه العلاقات هي أساس العمل.

مع مرور الوقت، تصبح العلاقة أكثر من مجرد تجارة، حيث يفهم المزارع احتياجاتك ويقدم لك أفضل ما لديه. ما تحصل عليه يعكس صورة البلد في سوقك.

لدينا علاقات طويلة، مثل تعاوننا مع مزارعين في السلفادور منذ سنوات عديدة، ونحرص على زيارة الدول المنتجة بشكل دوري لمتابعة التطورات.

  • ما رأيك في نظام التذوق الأعمى؟

أعتقد أنه نظام عادل إذا تم تطبيقه بشكل صحيح.

يعتمد على ثبات الظروف وخبرة الحكام، مما يسمح بتقييم موضوعي. كما أن مقارنة القهوة من دول مختلفة دون معرفة مصدرها يمنح نظرة أوسع على الجودة.

  • ماذا يعني هذا الفوز لمنطقة البلطيق؟

هو إنجاز مهم ويمنح دفعة معنوية كبيرة.

المشهد المحلي نشط، وهناك اهتمام متزايد بالقهوة المختصة، لكن لا يزال هناك مجال للتطور من حيث الوعي والاستمرارية في الجودة.

  •  ما خططكم القادمة؟

هذا الفوز أعطانا تأكيدًا بأننا نسير في الاتجاه الصحيح.

سنواصل التركيز على القهوة، مع تطوير منتجات جديدة والتوسع في التعاونات. كما نطمح إلى التواجد بشكل أكبر في أسواق جديدة، خاصة في العالم العربي.

  • ما النصيحة التي تقدمها للمحامص الطموحة؟

التركيز على المسار الخاص هو الأهم.

المشاركة في المنافسات مهمة، ويجب عدم الخوف من الخسارة. الكثير من الجهات القوية لا تخوض هذه التجارب أصلًا.

هذا الحوار يعكس رحلة طويلة من العمل والتجربة، ويؤكد أن التميز في القهوة لم يعد مرتبطًا بموقع جغرافي محدد، بل برؤية واضحة وقدرة على الاستمرار والتطور.