دبي – علي الزكري

في غمرة النزوح والبحث عن الذات، لم تكن سارة الحاج تبحث عن مجرد “مشروع”، بل كانت تبحث عن “بصمة” تتركها في هذا العالم قبل أن تمضي. هي ابنة تعز التي عركتها الحياة في الحديدة، وصهرت الحرب يأسها في صنعاء داخل “جزوة” القهوة، لتصنع مستقبلاً لم يؤمن به أحد غيرها.

  • “سمراء”.. من حلم العبايات الموءود إلى أول علامة تجارية نسائية

الحكاية بدأت قبل القهوة؛ كان لدى سارة حلم في الحديدة بمشروع للعبايات أسمته “سمراء”، تيمناً بمسلسل لبناني قديم كانت تتابعه، وشعرت أن اسم “سمراء” يشبه ملامحها السمراء الأصيلة. لكن حرب 2019 أغلقت الأبواب قبل أن يرى المشروع النور، فنزحت سارة نحو صنعاء بحقيبة ذكريات وحلم منكسر.

في صنعاء، وبينما كانت تعيش فراغ النزوح، شاهدت كليب “الحب والبن” للفنان أحمد سيف (إخراج سميبس)، فاشتعلت في رأسها شرارة لم تنطفئ: “لماذا لا أدخل عالم البن؟”. بحثت سارة في اليمن بأكمله عن امرأة أنشأت علامة تجارية (براند) للقهوة مسجلاً رسمياً بكيان تجاري حقيقي، فلم تجد. قررت حينها أن تكون أول امرأة يمنية تكسر احتكار الرجال لهذا السوق التاريخي، وتؤسس “سمراء كوفي” من جديد، ولكن هذه المرة من حبات القهوة.

  • الشعار.. وجه يمني يحمل رسالة سارة للعالم

لم يكن شعار “سمراء” مجرد رسمة جرافيكية؛ أرادت سارة أن يحمل المنتج روحها ورسالتها. تحدثت مع مصممتها (التي كانت تعيش في ماليزيا) وطلبت منها رسم “سكتش” لبنت تشبه في ملامحها وتفاصيلها فتاة يمنية أصيلة ممزوجة بتفاصيل التراث.

تقول سارة: “بما أنني لا أظهر شخصياً، أردت أن يتحدث الشعار عني وعن دور المرأة اليمنية. أردت للمنتج عندما يسافر إلى الخارج، أن ينقل صورة مشرفة عن الفتاة في اليمن”. واليوم، صار هذا الوجه هو الهوية والختم الرسمي لـ “سمراء” في كل معاملاتها الحكومية والتجارية.

  • البداية بمصروف اليد ومطبخ الوالدة

بدأت سارة برأس مال بسيط جداً (200 ألف ريال يمني)، وهو مبلغ كانت تدخره بصعوبة من مصروفها الشخصي الذي تأخذه من أهلها. وفي غرفة صغيرة بمنزل أهلها، اتخذت من المطبخ معملاً لمدة 4 سنوات كاملة.

كانت سارة تفتقر لأبسط الآلات الاحترافية، فكانت تحمص القهوة بـ “مقلاة تيفال” و “ملعقة” يدوية، وتطحنها بمطحنة منزلية بسيطة أهدتها لها والدتها. ولأنها لم تملك ثمن الدورات، كانت تذهب لكبار التجار وتحمل في يدها دفتر نوتة صغير وقلم، تسأل عن كل سر وتدون كل معلومة، حتى لقبها أولئك التجار بـ “الصحفية” لعطشها الكبير للمعرفة.

والتعب لم يذهب سدى؛ فاليوم وبفضل الله، حقق مشروع “سمراء” لسارة ذلك الاستقلال المادي الذي طالما طمحت إليه كفتاة نازحة، ليصبح ثمرة كفاحها التي تعيلها وتعيل أسرتها.

  • معركة “الجزوة” ولوحة النبوءة المحاكة

واجهت سارة حرباً من التنمر والإحباط؛ سخر منها بعض المختصين قائلين: “أنتِ امرأة، ما دخلكِ بسوق البن؟ ستفشلين حتماً”. وحتى عندما اختارت التخصص في القهوة التركية المحضرة بـ “الجزوة”، اتهمها البعض بأنها تختار وسيلة لإخفاء عيوب البن السيء بالهيل. ردت عليهم سارة بعناد: “البن السيء يظل سيئاً، والبن الجيد يفرض حضوره مهما أضفت له”.

كانت سارة تستمد قوتها من “لوحة حياكة تشكيلية” يدوية بالخيوط أهداها لها مدرب آمن بها من خارج اليمن، تحمل رموز شهادات القهوة المختصة الدولية. كانت تنظر إليها كل يوم وتعد نفسها بأن تلك الرموز ستصبح شهادات حقيقية معلقة على جدار نجاحها، وهذا ما بدأ يتحقق بالفعل؛ فلم يعد الإقبال محلياً فحسب، بل وصلت منتجات “سمراء” اليوم إلى الأسواق العربية والأوروبية، والسوق الأمريكي والآسيوي، محققةً انتشاراً عالمياً يُفحم كل من حاول إحباطها يوماً.

  • وفاء لـ “رفاق الغرفة الصغيرة”

اليوم، سارة خبيرة قهوة في طريقها لنيل شهادات الاعتماد الدولية في الباريستا والتذوق من جمعية القهوة المختصة، وتعمل للحصول على مختلف شهادات الخبرة الدولية بما فيها شهادة محكمة في بطولات القهوة العالمية.

ورغم امتلاكها اليوم أرقى الآلات الاحترافية، إلا أنها ترفض التفريط بآلاتها الأولى البسيطة (التي اشترى لها أخوها بعضها بـ 100 دولار). تقول سارة بمشاعر فياضة: “كنت أقف أمام آلاتي القديمة وأكلمها كأنها بشر: أنتما الأساس، أنتما من تحملتما معي تعب أربع سنوات وبكائي وسهري في الغرفة الضيقة.. غلفتكما اليوم ككنز، فلن أتخلى عنكما أبداً”.

ولأنها عانت كثيراً وهي تبحث عن المعرفة، لم تنسَ سارة الطامحين؛ فهي تتفهم اليوم حاجة كل من يريد بدء مشروعه الخاص، وتقدم لهم كل ما لديها من معارف وخبرات، مؤمنةً بأن الواجب يفرض تقديم الدعم المعرفي لكل الطامحين الذين يبدأون من غرفهم كما بدأت هي.

سارة الحاج اليوم هي قصة فتاة لم تنتظر الفرصة بل صنعتها من “مقلاة تيفال”، ورسمت ملامح كفاحها على كل كيس قهوة يخرج من معملها، لتخبر العالم أن القهوة اليمنية ليست مجرد منتج، بل هي قصة إنسان لا ينكسر.