دبي – قهوة ورلد

شهدت أسواق القهوة العالمية تحولاً دراماتيكياً في الأسبوع الأخير من يناير 2026، حيث أطاحت موجة من الأمطار الغزيرة في مناطق الإنتاج البرازيلية بآمال المراهنين على استمرار صعود الأسعار. وفي حركة تصحيحية وُصفت بالأعنف منذ شهور، فقد رطل القهوة أكثر من 21 سنتاً من قيمته في غضون 72 ساعة فقط، ليتهاوى المؤشر المركب لمنظمة القهوة الدولية (I-CIP) من ذروة بلغت 304.17 سنتًا في السابع والعشرين من يناير إلى 283.02 سنتًا بحلول نهاية الشهر.

هذا السقوط الحر لم يكن مجرد استجابة لحدث مناخي عابر، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن انتهاء “علاوة المخاطر” التي غذت الأسواق طوال الفترة الماضية نتيجة المخاوف من جفاف طويل الأمد في ولاية “ميناس جيرايس”، القلب النابض لإنتاج القهوة في البرازيل، وذلك وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن تقرير منظمة القهوة الدولية (ICO) لشهر يناير 2026.

وتشير البيانات التحليلية للتقرير إلى أن السوق دخل شهر يناير بحالة من التوازن الحذر، حيث غابت المحفزات الاتجاهية الواضحة، مما أبقى الأسعار في نطاق ضيق جعل المزارعين في حالة من الارتياح المادي دون دفعهم للبيع العدواني. إلا أن هذه الحالة تبخرت فور صدور تقارير الأرصاد الجوية التي أكدت تحسن الرطوبة في التربة البرازيلية، مما أعطى إشارة قوية لصناديق الاستثمار وكبار المضاربين في بورصة نيويورك لتسييل مراكزهم الشرائية والهروب من السوق قبل تراجع الأسعار لمستويات دنيا.

هذا “النزوح الجماعي” للمضاربين ضاعف من زخم الهبوط، محولاً التصحيح السعري إلى انهيار سريع أربك حسابات المصدرين الذين راهنوا على بقاء الأسعار فوق حاجز الـ 300 سنت.

اقتصادياً، ارتبط هذا الانهيار بمتغيرات العملة المحلية في البرازيل؛ حيث لعبت قوة “الريال” أمام الدولار دوراً مزدوجاً في مطلع الشهر عبر رفع الأسعار، قبل أن تستسلم الأسواق العالمية لضغط المعروض المستقبلي المتوقع. ويرى محللون أن الأمطار الأخيرة لم تعمل فقط على تحسين حالة محصول “الأرابيكا” القائم، بل أرسلت رسائل طمأنة بشأن موسم 2026/2027، وهو ما سحب البساط من تحت أقدام المتداولين الذين بنوا استراتيجياتهم على ندرة المعروض.

هذا التحول وضع شركات التحميص العالمية في موقف تفاوضي أقوى، حيث بدأت في تقليل مشترياتها الفورية انتظاراً لمزيد من التراجعات، وهو ما يعكس حالة “الباكوردويشن” الفنية التي تسيطر على البورصات، حيث تظل أسعار الحاضر أعلى من العقود الآجلة، مما يثبط الرغبة في بناء مخزونات طويلة الأمد بأسعار مرتفعة.

على الصعيد الميداني، أكد تقرير منظمة القهوة الدولية أن هذه التطورات المناخية أعادت رسم خارطة التوقعات للربع الأول من العام، حيث بات من المتوقع أن تشهد الأسواق وفرة في الإمدادات مع تلاشي مخاوف “الإجهاد المائي”.

وبالتزامن مع هذه الضغوط السعرية، بدأ كبار الفاعلين في سوق نيويورك بإعادة تقييم مراكزهم، وسط توقعات بأن يستمر الضغط الهبوطي طالما استمرت السماء في منح مزارع البرازيل الرطوبة اللازمة. إن “ثورة المطر” كما أطلق عليها بعض المتداولين، لم تكن سوى تذكير قاسٍ بأن التكنولوجيا والتحليلات المالية تظل عاجزة أمام التقلبات الجوية في أكبر بلد منتج للقهوة في العالم، وأن أمن الفنجان العالمي يظل مرتبطاً بخرائط الطقس فوق جبال البرازيل أكثر من ارتباطه بسياسات البنوك المركزية.