حراز – قهوة ورلد
في قلب المرتفعات الجبلية غرب اليمن، وتحديدًا في منطقة حراز، تتجسد واحدة من أكثر تجارب زراعة البن تعقيدًا ودقة على مستوى العالم.
هنا، لا تُختزل الزراعة في التربة والمناخ فحسب، بل تقوم على منظومة متكاملة من العمل اليدوي الشاق، والمعرفة الزراعية المتوارثة، والالتزام الصارم بإيقاع الطبيعة.
مزارع Jabalbon Estate تقدّم نموذجًا عمليًا لكيفية حفاظ اليمن على هويته الزراعية التاريخية، وفي الوقت نفسه إنتاج بن عالي الجودة ينافس عالميًا.
- استصلاح الأرض… البداية من الصخر
تبدأ دورة زراعة البن في حراز بمرحلة تُعد الأصعب والأطول: استصلاح الأرض الجبلية. تشمل هذه المرحلة إزالة الأشجار الضارة مثل الطلح، وتنظيف المدرجات من الأعشاب والمخلفات النباتية، إلى جانب إعادة بناء الجدران الحجرية المنهارة بالطريقة التقليدية. ولا تُعد هذه المدرجات مجرد بنية داعمة، بل عنصرًا حيويًا لتثبيت التربة، وحجز مياه الأمطار، والحد من الانجراف، ما يجعلها الأساس الذي تُبنى عليه أي زراعة ناجحة في هذه البيئة القاسية.

- تخطيط دقيق ومسافات محسوبة
بعد الاستصلاح، تُخطط الأرض بعناية لتحديد مواقع غرس أشجار البن، مع الالتزام بمسافة تصل إلى مترين بين كل شجرة وأخرى. هذا التباعد المدروس يضمن تهوية التربة، ويحد من التنافس على العناصر الغذائية، ويسمح بنمو متوازن للجذور والمجموع الخضري.

- “البُوَر”… تقنية محلية بجذور علمية
من أبرز ملامح الزراعة في حراز اعتمادها على حفر عميقة تُعرف محليًا باسم “البُوَر”، بعمق وعرض متر تقريبًا. تُستخدم هذه الحفر لتفكيك التربة البركانية الطينية المتصلبة، وتحسين التهوية والصرف، وتنشيط الحياة الدقيقة داخل التربة.
وتُترك هذه الحفر مكشوفة لأشهر كي تتعرض لأشعة الشمس، في ممارسة تقليدية أثبتت فعاليتها علميًا، قبل إعادة ردمها وتحويلها إلى وسط زراعي ملائم لغرس شتلات البن.

- موسمان للغرس… ومراعاة دقيقة للمناخ
تُغرس شتلات البن في موسمين رئيسيين هما مارس ويوليو، وهما الأكثر ملاءمة من حيث درجات الحرارة وتوفر الرطوبة الناتجة عن الأمطار الموسمية، ما يرفع من فرص نجاح الشتلات واستقرارها.

- عناية سنوية مستمرة
تتطلب زراعة البن في حراز متابعة دقيقة على مدار العام. تُجرى عمليات حراثة منتظمة لمواجهة تصلب التربة، ويُعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار مع ري تكميلي مدروس عند الحاجة. كما يُطبق برنامج تسميد متوازن يهدف إلى تقوية الجذور، وتحفيز النمو الصحي، وتحسين جودة الثمار على المدى الطويل.

- الارتفاع… العامل غير المرئي للجودة
تقع مزارع جبل بن على ارتفاعات تتجاوز 2600 متر فوق سطح البحر، حيث تلعب البيئة دورًا محوريًا في تشكيل جودة البن. الفوارق الحرارية اليومية ودرجات الحرارة المعتدلة تُبطئ من نضج الثمار، ما ينعكس مباشرة على كثافة الحبة وتعقيد النكهات في الكوب النهائي.

صبر حتى الإنتاج
لا تصل شجرة البن إلى ذروة إنتاجها الاقتصادي إلا بعد نحو ست سنوات. في جبل بن، يُنظر إلى الشجرة باعتبارها استثمارًا طويل الأمد، لا مشروعًا سريع العائد، وهو ما يرسّخ مفهوم الزراعة المستدامة ويضمن استقرار الجودة عامًا بعد عام.

- من الإزهار إلى الحصاد
يبدأ الإزهار عادة في شهر مارس، وتستغرق الثمرة ما بين ستة إلى سبعة أشهر حتى تنضج بالكامل. ويبدأ موسم الحصاد في أكتوبر، حيث يُعتمد القطف الانتقائي اليدوي، ولا تُجمع إلا الحبوب الحمراء مكتملة النضوج، لضمان تعبير صادق عن خصائص الأرض والارتفاع والمناخ.

- أخلاقيات زراعية قبل أن تكون تقنية
تعتمد مزارع جبل بن على الزراعة اليدوية التقليدية، واحترام دورة الطبيعة، وعدم استعجال النمو أو إنهاك الأشجار.
هنا، لا تُقاس الجودة بسرعة الإنتاج، بل بالصبر، وبالقدرة على بناء علاقة طويلة الأمد مع الأرض.
في المرتفعات اليمنية، لا يُزرع البن ليُحصد سريعًا… بل ليبقى.



