دبي – قهوة ورلد

تشير تقارير حديثة إلى أن زراعة قهوة الروبوستا في البرازيل، التي لطالما اعتُبرت أقل شهرة من الأرابيكا، بدأت تتوسع بسرعة مع تصاعد تأثيرات تغيّر المناخ على إنتاج القهوة في العالم.

في قلب الأمازون البرازيلية، ترتبط قصة الروبوستا بصمود المجتمعات الأصلية. بعد أن استعاد شعب بايتر سوروِي أراضيه عام 1981 عقب طرد المتعدين، واجه خيارًا صعبًا حول مصير مزارع القهوة التي تركها المستعمرون. بعض الأسر اختارت اقتلاع الأشجار بسبب ارتباطها بماضي مؤلم، بينما قررت أخرى الحفاظ عليها.

ومع مرور أكثر من أربعة عقود، تحولت هذه المزارع إلى مصدر دخل يدعم الأسر ويعزز حماية البيئة في الوقت نفسه. اليوم، أصبحت القهوة أداة للمحافظة على الغابات وتحقيق التنمية المستدامة.

اقرأ أيضا: توقعات بانتعاش محصول القهوة في البرازيل تضغط على الأسعار العالمية

تعد سيليستي بايتشايب سوروِي، باريستا ومنتجة قهوة من السكان الأصليين، واحدة من أبرز الداعمين لما أصبح يُعرف باسم “روبوستا الأمازون”، المزروعة في ولاية روندونيا غرب البرازيل. ويعمل نحو 140 أسرة من مجتمع سوروِي في مزارع صغيرة داخل أراضي “سِتّي دي سيتيمبرو”، حيث توفر درجات الحرارة المرتفعة والأمطار الغزيرة بيئة مثالية لنمو الروبوستا، بما يشبه بيئته الأصلية في حوض الكونغو.

أهمية الروبوستا في مواجهة تغيّر المناخ

لطالما ارتبطت الروبوستا بسمعة سلبية مقارنة بالأرابيكا، إذ اعتبرت أكثر مرارة واستخدمت غالبًا في الخلطات منخفضة الجودة. لكن هذه النظرة بدأت تتغير، إذ يعمل الباحثون والمزارعون على تحسين جودتها، بينما قدرة الروبوستا على تحمل درجات الحرارة المرتفعة تجعلها حلاً متزايد الأهمية في مواجهة تغيّر المناخ.

وقد ارتفعت حصة الروبوستا من الإنتاج العالمي من 28% في التسعينيات إلى 44% في عام 2023. ومع ذلك، فهي ليست بمنأى عن المخاطر المناخية، فالجفاف على سبيل المثال أدى في عام 2024 إلى انخفاض الإنتاج داخل أراضي سوروِي بنسبة 40%، وهو ما انعكس على أسعار القهوة عالميًا.

البحث والابتكار الزراعي

لمواجهة هذه التحديات، يعمل الباحثون على تطوير أصناف أكثر مقاومة للحرارة والجفاف، مع التركيز على تحسين النكهة وجودة الحبوب. وقد نجحت مؤسسة البحوث الزراعية في زيادة إنتاجية الروبوستا بشكل كبير خلال عقدين، بينما تسعى الدراسات الحالية إلى اختبار سلالات جديدة لتحمل الظروف المناخية القاسية.

اقرأ أيضا: قطاع القهوة المختصة في البرازيل يكتسب زخماً عالمياً

كما تؤكد الخبراء على أهمية الحصاد والمعالجة الدقيقة بعد الحصاد، إذ يؤدي اختيار الحبوب الناضجة ومعالجتها بعناية إلى تحسين الجودة بشكل ملحوظ، ما يعزز موقع الروبوستا في الأسواق المتخصصة.

الزراعة المستدامة وحماية الغابات

تشير الدراسات إلى أن زراعة القهوة قرب الغابات توفر بيئة مستقرة للنباتات من حيث الرطوبة ودرجات الحرارة، كما تدعمها الملقحات الطبيعية وتحد من الآفات. ورغم أن الكثير من أراضي روندونيا تحولت إلى مزارع ماشية، فإن المجتمع الأصلي اعتمد خطة طويلة المدى لإدارة الأراضي منذ عام 2004، تركز على إعادة التشجير والحفاظ على الغابات.

نموذج العائلات المنتجة

يسلط التقرير الضوء على تجربة عائلة بينتو قرب مدينة كاكوال، حيث تدير مزرعة بمساحة 12 هكتارًا تشمل جميع مراحل الإنتاج، من الزراعة إلى التحميص، وتستقبل الزوار لتعليمهم أساليب الزراعة المستدامة.

اقرأ أيضا: انخفاض أسعار القهوة بسبب الطقس في البرازيل وارتفاع المخزونات

وتشمل ممارسات العائلة ترشيد استخدام المياه، وزراعة الأشجار لحماية مصادر المياه، وتربية النحل لدعم التلقيح، وتدوير المحاصيل لتحسين صحة التربة، مما جعل المزرعة نموذجًا للإنتاج المستدام وربحيتها في الوقت نفسه.

التحديات والفرص

رغم أن ارتفاع الطلب وأسعار الروبوستا يوفر فرصًا اقتصادية، يحذر الخبراء من مخاطر التحول إلى زراعة أحادية واسعة النطاق قد تهدد الغابات. لذلك يشددون على ضرورة التخطيط الدقيق، ودعم المزارعين الصغار، وتشجيع المستهلكين على اتخاذ خيارات واعية عند شراء القهوة.

اقرأ أيضا: لبّ القهوة في البرازيل: عندما ترفض ثمرة القهوة أن تكون نفايات

إعادة تعريف الروبوستا

من التحديات أيضًا تغيير تصورات الطعم، إذ كانت الروبوستا تُقاس وفق معايير الأرابيكا، لكنها تمتلك نكهة ومواصفات فريدة. يسعى الباحثون اليوم لوضع أطر تذوق خاصة بها، تعكس خصائصها دون مقارنتها مباشرة بالأرابيكا.

رؤية شاملة للأمازون

يدعو الباحثون إلى إعطاء قيمة أكبر للمنتجات الغابية مثل جوز البرازيل، الأساي، الكاكاو وغيرها، وإشراك السكان الأصليين في تصميم نماذج التنمية المستدامة.

وتؤكد سيليستي بايتشايب سوروِي على أن حماية الأمازون تشمل دعم المجتمعات التي تعيش فيه، مشددة على أن المسؤولية جماعية: حماية مستقبل القهوة والغابات تتطلب تعاون المنتجين والحكومات والمستهلكين معًا.