تأخذك مدينة هرر في رحلة بين تاريخ القهوة، والأسواق العريقة، والضيافة الإثيوبية، بالتزامن مع انطلاق أول نسخة من سباق هرر الكبير.
بقلم: تيودروس بالشا .. خاص لـ قهوة ورلد
اجتاز آلاف العدّائين اليوم بوابات مدينة هرر التاريخية، ليحوّلوا واحدة من أقدم المدن المأهولة في إفريقيا إلى أحدث محطة على خريطة سباقات الجري في إثيوبيا.
ولم يكن سباق “إثيو تيليكوم هرر الكبير” مجرد فعالية رياضية، بل نافذة لاكتشاف مدينة شكّلت القهوة والإيمان والضيافة ملامح حياتها على مدى قرون طويلة.
وقبل أن ينطلق المتسابقون في أزقة هرر الضيقة، كانت هذه الشوارع نفسها قد شهدت مرور أجيال من التجار والعلماء والحجاج. واليوم، سار العدّاؤون على الخطى ذاتها، في مدينة ارتبط تاريخها ارتباطًا وثيقًا بقصة القهوة التي انتشرت من مرتفعات إثيوبيا إلى العالم.
مدينة قامت على الإيمان والتبادل التجاري
تقع هرر في المرتفعات الشرقية لإثيوبيا، وظلت لقرون نقطة التقاء بين إفريقيا وشبه الجزيرة العربية. ووفقًا للروايات المحلية، تعود نشأة المدينة إلى القرن العاشر الميلادي، وترتبط باسم الشيخ أبادر عمر الرضا، الذي ترك بصمة عميقة في هويتها الدينية والثقافية.
وتُعرف هرر باسم “مدينة الأولياء”، إذ تضم داخل أسوارها التاريخية عددًا كبيرًا من المساجد والأضرحة والمدارس الإسلامية، ما جعلها واحدة من أهم المراكز الإسلامية التاريخية في القرن الإفريقي. وفي عام 2006 أُدرجت مدينة هرر جوغول على قائمة التراث العالمي لليونسكو تقديرًا لقيمتها التاريخية والثقافية الفريدة.
وعبر هذه البوابات نفسها، مرت قوافل التجارة التي حملت القهوة والتوابل والمنسوجات والأفكار، وربطت إثيوبيا بموانئ البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية، ومنها إلى مناطق أخرى من العالم.
حيث أصبحت القهوة إرثًا
نشأت القهوة العربية في مرتفعات إثيوبيا، لكن هرر لعبت دورًا محوريًا في تحويلها من نبات بري إلى محصول زراعي وتجاري ذي مكانة عالمية.
ولقرون طويلة، كانت هرر واحدة من أهم مراكز زراعة وتجارة القهوة في البلاد، إذ كانت القوافل تنقل حبوبها عبر الطرق التجارية القديمة إلى موانئ البحر الأحمر، ومنها حملها التجار العرب إلى أسواق الشرق الأوسط قبل أن تجد طريقها لاحقًا إلى أوروبا.
ولا تزال قهوة هرر حتى اليوم من أشهر أنواع القهوة الإثيوبية وأكثرها تميزًا، إذ تشتهر بمعالجتها الطبيعية ونكهاتها المعقدة التي تجمع بين التوت الأزرق والفواكه المجففة والتوابل والشوكولاتة والروائح الزهرية. وقبل أن يظهر مصطلح “القهوة المختصة” بقرون، كان مزارعو هرر قد رسخوا تقاليد دقيقة في زراعة القهوة وتجفيفها ومعالجتها، وهي الممارسات التي ما تزال تمنح قهوتها شهرتها العالمية.
أكثر من فنجان
في هرر، لا تُقدَّم القهوة ببساطة.
بل تُحضَّر بعناية.
تُحمَّص الحبوب أمام الضيوف، وتملأ رائحتها المكان، قبل أن تُغلى القهوة بهدوء وتُقدَّم في طقس اجتماعي يعكس كرم الضيافة أكثر مما يعكس مجرد تقديم مشروب.
وسيجد الزائر القادم من العالم العربي الكثير مما يألفه في هذه الطقوس. فبرغم اختلاف التفاصيل بين الثقافات، تبقى الرسالة واحدة: الترحيب بالضيف يبدأ بفنجان قهوة.
مدينة لا تزال تنبض بالحياة
التجول داخل مدينة هرر جوغول لا يشبه زيارة متحف مفتوح.
فالأزقة الضيقة ما زالت تعج بالحياة اليومية، والأسواق تواصل نشاطها كما فعلت منذ قرون، فيما تحتفظ البيوت التاريخية والساحات الملونة والمساجد القديمة بدورها الطبيعي في حياة السكان.
كما أسهمت المخطوطات العربية التي نسخها العلماء عبر الأجيال في ترسيخ مكانة هرر مركزًا مهمًا للعلم الإسلامي في القرن الإفريقي، ولا تزال كثير من هذه التقاليد حية حتى اليوم، تنتقل من جيل إلى آخر.
سباق يكتب فصلًا جديدًا
أضاف سباق “إثيو تيليكوم هرر الكبير” فصلًا جديدًا إلى تاريخ المدينة.
وجاء السباق، الذي يمثل المحطة الختامية لسلسلة **اكتشف كلاسيكيات إثيوبيا** لهذا العام، ليجمع آلاف المشاركين، بينهم عداؤون محترفون وسكان محليون وزوار قدموا من تسع دول.
ونظمت الحدث مؤسسة السباق الإثيوبي الكبير، التي تُعد واحدة من أبرز الجهات المنظمة لسباقات الجري في إفريقيا، والمعروفة عالميًا بتنظيم سباقها السنوي في العاصمة أديس أبابا، الذي رسخ مكانة إثيوبيا كإحدى أبرز وجهات الجري في العالم.
لكن في هرر، لم يكن السباق مجرد منافسة رياضية.
فالطريق نفسه كان جزءًا من التجربة.
فقد مر العداؤون عبر بوابات المدينة التاريخية، وساروا بين أحيائها العريقة، بينما استقبلتهم مراسم إعداد القهوة في أكثر من زاوية، ومع اقتراب المساء، استعد مروّضو الضباع، الذين اشتهرت بهم المدينة، لممارسة تقليدهم الليلي الذي يجذب الزوار منذ سنوات طويلة.
وفي هرر، حتى سباق الجري يتحول إلى رحلة في التاريخ.
أكثر من وجهة سياحية
يعتقد كثير من المسافرين أنهم يبحثون عن الأماكن الأصيلة.
أما هرر، فلم تكن يومًا بحاجة إلى أن تثبت أصالتها.
فمن يصل قبل موعد السباق بيوم واحد يستطيع التجول في المدينة القديمة على مهل، وزيارة مزارع القهوة المحيطة بها، ومشاهدة حبوب القهوة وهي تجف تحت شمس إثيوبيا، والمشاركة في مراسم إعداد القهوة التي لا تزال جزءًا من الحياة اليومية.
قد يكون السباق سببًا للمجيء.
لكن المدينة هي السبب الذي يدفعك إلى البقاء.
فهناك مدن تُعرف بمعالمها.
أما هرر، فتُعرف بأهلها، وقهوتها، وكرمها الذي يرافق الزائر حتى بعد مغادرته.
بعض المدن تزورها… أما هرر، فإنك تحملها معك أينما ذهبت.
Gallery











