من القيود التنظيمية للاتحاد الأوروبي إلى تقلبات السوق وتغير المناخ.. المدير العام لمنظمة القهوة الدولية (ICO) ترسم خارطة طريق لعدالة سلاسل الإمداد العالمية.
دبي – علي الزكري
ليست منظمة القهوة الدولية مجرد هيئة حكومية دولية، بل هي القلب النابض لصناعة عالمية تعيل الملايين. وعلى رأس هذا الهيكل تقف السيدة فانوسيا نوغيرا، تلك القائدة الرؤيويّة التي اتسمت فترة ولايتها بسعي دؤوب لتحقيق العدالة للمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة.
يمثل هذا الحوار الحصري لحظة تاريخية، كونه أول حديث من نوعه تخص به المدير العام وسيلة إعلام عربية. ونحن هنا، نود أن نعرب عن عميق امتناننا للسيدة نوغيرا على قبولها الكريم لدعوتنا؛ فبعيداً عن مكانتها المهنية المرموقة، كان تواضعها وصدقها في التعاطي مع محاور هذا اللقاء لافتاً ومميزاً. ففي قطاع غالباً ما تغلب عليه الرسميات الدبلوماسية، قدمت لنا السيدة فانوسيا في هذا الحوار المباشر إجابات اتسمت بالشفافية المطلقة والدقة والمباشرة، مما كشف عن شخصية قيادية مخلصة تهتم بعمق بتفاصيل القطاع من أصغر مزارع في جبال اليمن إلى كبار المستثمرين في العالم. نحن ممتنون جداً للطفها، ودقتها، وصراحتها التي منحتنا رؤية واضحة لهذا القطاع في لحظة مفصلية.
- مع دخولنا عام 2026، كيف ترين دور المنظمة في مساعدة صغار المزارعين على مواكبة اللوائح البيئية السريعة مثل قانون الاتحاد الأوروبي (EUDR)؟
تعمل منظمة القهوة الدولية كجسر حيوي بين الدول المنتجة والمستهلكة. وبما أن المزارعين الصغار يمثلون ما بين 75% إلى 80% من المنتجين عالمياً، فإن دورنا هو إفهام صناع القرار التحديات الحقيقية على أرض الواقع. غالباً ما تكون النوايا خلف هذه اللوائح جيدة، لكن الكثيرين لا يدركون مدى صعوبة الامتثال لها في الميدان. نحن نعمل على توعية هذه الأطراف وجميع الشركاء من حكومات ووكالات تنمية بضرورة تقديم الدعم الفني والمالي الذي تحتاجه المجتمعات الضعيفة لجعل هذا التحول قابلاً للتطبيق.
- أصبحت أنظمة التتبع والبيانات أمراً لا مفر منه.. كيف نضمن ألا يقع عبء تكاليفها على كاهل المزارع الصغير؟
نبني حالياً شراكات مع الجانب المستهلك (الصناعة والحكومات) لدعم البنية التحتية المطلوبة، من تحديد المواقع الجغرافية إلى قواعد البيانات. في كثير من الدول، تكمن المشكلة في البنية التحتية الداخلية مثل الوصول إلى الإنترنت. نحن نعمل مع شركاء مثل حكومات ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا لتنفيذ هذه الأنظمة. وعلاوة على ذلك، يجب تعليم المستهلك لماذا يعد دفع ثمن عادل أمراً ضرورياً؛ فالشفافية هي المفتاح لإثبات أن هذه الهوامش ضرورية لبقاء المنتج وازدهاره.
- بالنظر إلى عام 2025، هل أحرزت الصناعة تقدماً نحو “الدخل المعيشي” أم ما زلنا أسرى لمنطق بورصة نيويورك (C-Market)؟
أدرك القطاع في العامين الماضيين أن الدخل المعيشي لا يتعلق بالسعر فقط، بل بسد الفجوات في الإنتاجية والبنية التحتية مثل الصحة والتعليم. ورغم أن المنتجين في بعض المناطق حققوا مستويات مريحة العام الماضي بسبب ارتفاع الأسعار، إلا أن آخرين ما زالوا يعانون. الحل الجوهري يكمن في توقف صغار المنتجين عن العمل المنفرد؛ عليهم التنظم في تعاونيات أو جمعيات للوصول إلى الأسواق والحصول على الدعم الفني بشكل جماعي.
- بالحديث عن أثر المناخ على أصول محددة.. في اليمن مثلاً، أصبح الحصاد متجزئاً لعدة مراحل والكميات تتراجع.. كيف ترين ذلك؟
الوضع في اليمن – حيث يتم الحصاد من نفس الشجرة في ثلاث أو أربع مرات بدلاً من مرة واحدة – هو عرض واضح لتغير المناخ الذي يجب أن نحلله بعمق. لقد شهدنا تحولات مماثلة في البرازيل. علينا أن نفهم ما إذا كانت السلالات التقليدية في اليمن – وهو أحد المواطن الأصلية لقهوة أرابيكا – لا تزال مناسبة لهذا المناخ الجديد أم أننا بحاجة لتجديد المزارع بسلالات أكثر مرونة. إرث اليمن هو أولوية عالمية، وعلى العلماء العمل لإيجاد حلول تحمي هذه الإنتاجية الفريدة.
- كيف يجب أن يتعامل القطاع مع بدائل القهوة المصنعة مخبرياً دون فقدان قيمة القهوة الطبيعية؟
التواصل والوضوح هما الأساس. يجب أن يكون واضحاً للجميع ما هي “القهوة الحقيقية” وما هو “البديل الكيميائي”. القهوة الطبيعية لها فوائد صحية مثبتة علمياً، بينما لا يتم ذكر آثار البدائل الكيميائية. في دول مثل البرازيل وفيتنام، تمنع القوانين وضع كلمة “قهوة” على عبوات البدائل. يجب أن نستمر في توضيح لماذا تظل القهوة الطبيعية هي الأفضل للصحة والثقافة.
- تقلبات الأسعار كانت حادة جداً.. ما الذي يحرك هذه التقلبات فعلياً؟
الأمر يتعلق بـ “قصور العرض” مقابل الطلب. الأحداث المناخية القاسية منذ 2021 في البرازيل وفيتنام وكولومبيا خفضت الإنتاج، بينما يزدهر الاستهلاك خاصة في الشرق الأوسط وآسيا. نحن نعمل حالياً مع خبراء في الذكاء الاصطناعي لابتكار نماذج تتنبأ بهذه الأحداث بشكل أفضل لحماية الإنتاج على المديين القريب والبعيد.
- أسواق مثل الشرق الأوسط بدأت تشكل هويتها الخاصة.. كيف تخطط المنظمة للتواصل معها؟
الشرق الأوسط هو محرك للصناعة اليوم. انضمت المملكة العربية السعودية رسمياً للمنظمة قبل ستة أشهر، وزرت الرياض مؤخراً للاطلاع على الوضع هناك. كما سمعت أشياء مذهلة عن معرض “عالم القهوة دبي” قبل أسبوعين؛ وصفه الناس بأنه كان حدثاً “جنونياً” ومذهلاً. نحن بحاجة للتواجد في هذه الأسواق كشركاء لتحسين التواصل ودعم هذه القاعدة الاستهلاكية الناضجة.
- ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه العالم العربي في دعم المنتجين بعيداً عن مجرد الشهادات؟
يمكن للعالم العربي أن يلعب دوراً استراتيجياً كـ “مستثمر محفز”. فبعيداً عن الملصقات، يكمن تأثيرهم في الاستثمار والشراكة وبناء الأنظمة. يمكنهم المساعدة في تقليل مخاطر الابتكار والتكيف المناخي في دول المنشأ، ومن خلال دعم اللوجستيات والزراعة الرقمية، يمكنهم إعادة تشكيل كيفية مشاركة المسؤولية والقيمة في القطاع.
- إذا أتيحت لكِ الفرصة لمخاطبة القطاع العالمي في 2026، ماذا ستقولين؟
أكثر ما يحتاج للتغيير بشكل عاجل هو كيفية توزيع المخاطر والقيمة. اليوم، يمتص صغار المزارعين معظم آثار تقلب الأسعار وتغير المناخ. يجب التعامل مع القهوة ليس كمجرد سلعة، بل كـ “منفعة عامة عالمية” تدعم سبل العيش والأنظمة البيئية والثقافات. إذا حقق المنتج دخلاً مزدهراً، سيصبح القطاع بأكمله مرناً.. وهذا التغيير لا يمكنه الانتظار.
- أبرز الاقتباسات:
“يجب التعامل مع القهوة كمنفعة عامة عالمية تدعم سبل العيش والثقافات، وليس كمجرد سلعة تجارية.”
“اليمن هو مهد قهوة أرابيكا؛ وعلينا أن نضمن بقاء هذا الإرث التاريخي صامداً أمام تحديات المناخ المتغير.”
“أثبت معرض ‘عالم القهوة دبي’ بطاقته الكبيرة أن العالم العربي أصبح اليوم محركاً مركزياً لصناعة القهوة العالمية.”
“الدخل المعيشي لا يتحقق بالسعر وحده؛ فمضاعفة الأسعار لن تكفي إذا كانت الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية غائبة.”
“على المستهلكين أن يدركوا أن للقهوة الطبيعية فوائد صحية مثبتة لا يمكن للبدائل الكيميائية والمخبرية مضاهاتها.”
“العالم العربي يمتلك القوة ليكون ‘مستثمراً محفزاً’ يعيد صياغة المسؤولية والقيمة في قطاع القهوة العالمي.”

