دبي – قهوة ورلد
في شوارع جاكرتا صباحًا، يمكن أن ترى حكاية القهوة الإندونيسية تتشكّل أمامك: كرسيٌّ بلاستيكي عند عربة طعام شعبية، كشك قهوة سريعة مع رمز للدفع الإلكتروني، وشابة عاملة تتوقف أمام عامل القهوة لتحصل على قهوتها المختصّة أحادية المنشأ قبل التوجّه إلى المكتب.
إندونيسيا اليوم لم تعد مجرد بلد منشأ على طاولات التذوّق في المقاهي العالمية، بل أصبحت واحدة من أكثر أسواق القهوة نموًا وحيوية في العالم.
خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ جائحة كورونا، تغيّرت علاقة الإندونيسيين مع القهوة جذريًا؛ من روبوستا داكنة تُحمَّص بقسوة وتُقدَّم مع الكثير من السكر والحليب المكثّف، إلى مشروبات قهوة مختصّة ساخنة ومثلّجة، تُطلب عبر تطبيقات التوصيل أو تُقدَّم في بارات تذوّق راقية في العاصمة. والنتيجة سوق قهوة ينضج على أكثر من مستوى: اقتصاديًا، وثقافيًا، وذوقيًا.
- بلد منتِج يتعلّم أن يشرب قهوته
لطالما كانت إندونيسيا لاعبًا كبيرًا في إنتاج البن الأخضر، حيث تُزرع حبوب الأرابيكا والروبوستا في جزر مثل سومطرة وجاوا وسولاويسي وفلوريس. وتُسهم بما يقارب خمسة في المئة من صادرات القهوة عالميًا، مع عوائد تفوق مليارًا ونصف المليار دولار أمريكي سنويًا، ما يضعها بين كبار منتجي القهوة في العالم.
لكن لسنوات طويلة، كانت أفضل الحبوب تُصدَّر إلى الخارج، بينما يستهلك السوق المحلي قهوة أقل جودة، تُحمَّص بدرجة داكنة جدًا لإخفاء العيوب، وتُقدَّم غالبًا مع السكر والحليب المكثّف والتوابل. كانت الأكشاك الشعبية، والقهوة المنزلية، والمقاهي التقليدية هي فضاءات القهوة الأساسية في حياة الناس.
ما تغيّر اليوم ليس حجم الاستهلاك فقط، بل معناه. فقد قفز استهلاك القهوة في إندونيسيا بشكل كبير مقارنة بما قبل الجائحة، حتى أصبحت من أكبر خمس دول مستهلكة للقهوة عالميًا، بحسب بيانات أسواق وبحوث مستقلة. وتشير دراسات أخرى إلى أن قيمة قطاع القهوة في إندونيسيا قد تصل إلى نحو اثني عشر فاصل ستة مليار دولار أمريكي بحلول عام ألفين وثلاثين، إذا استمر النمو بمعدل يقارب خمسة في المئة سنويًا.
هذا التحوّل الداخلي مهم؛ ففي عالم يتأثر فيه البن بتغيّر المناخ وتقلب الأسعار العالمية، يمنح الطلب المحلي القوي المنتجين والمحمّصين خيارات أوسع ومساحة أكبر لإضافة القيمة داخل البلد، بدل الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية.

- سلاسل محلية وأكشاك سريعة… وولادة «طبقة وسطى» من القهوة
لفهم طفرة القهوة الحالية، ينبغي النظر إلى ما حدث بين المقهى الشعبي البسيط والمقهى العالمي الفاخر. عندما دخلت السلاسل الدولية إلى إندونيسيا في أوائل الألفينات، قدّمت مشروبات تعتمد على الإسبريسو وثقافة المقهى العصري، لكنها جاءت بسعر مرتفع؛ فثمن كوب واحد كان يمكن أن يتجاوز ثلاثين في المئة من متوسط الدخل اليومي للمستهلك آنذاك.
روّاد الأعمال المحليون انتبهوا إلى هذه الفجوة. ظهرت علامات تجارية جديدة بنت نموذجها على وعد واضح: قهوة حديثة، بنكهات مألوفة، وبأسعار في متناول شريحة واسعة، مع اعتماد كبير على الطلب والدفع عبر التطبيقات الرقمية. إحدى هذه العلامات انطلقت عام ألفين وسبعة عشر، وتمكنت خلال سنوات قليلة من التوسع إلى نحو تسعمئة فرع في مختلف أنحاء البلاد بحلول مطلع ألفين وخمس وعشرين، لتؤكد أن السوق عطِش لشيء يقع بين الكرسي البلاستيكي في الشارع والمقعد المريح في المقاهي العالمية.
بالتوازي، انتشرت نماذج أخرى تركّز على سهولة الوصول: مشروبات قهوة جاهزة للشرب في عبوات، أكشاك صغيرة للطلبات السريعة، وأركان قهوة داخل المتاجر الكبرى ومحطات الوقود والمتاجر الصغيرة، مثل أركان القهوة في متاجر الخدمة السريعة. خلال الجائحة، تسارع هذا الاتجاه؛ إذ تشير دراسة إلى أن الطلبات الخارجية والطلبات عبر الإنترنت على القهوة في إندونيسيا ارتفعت بأكثر من خمسة في المئة، في حين ارتفع متوسط عدد الأكواب في الطلب الواحد من كوب إلى ثلاثة، مع اعتماد المستهلكين على تطبيقات التوصيل للحصول على جرعتهم اليومية من الكافيين.
اليوم يبدو مشهد القهوة في إندونيسيا متعدد الطبقات بدل أن يكون خطًا واحدًا صاعدًا. ففي شارع واحد يمكنك أن تجد:
كشكًا شعبيًا يقدّم كوب قهوة بالحليب المكثّف مع الإفطار.
سلسلة محلية تقدّم قهوة مثلّجة بنكهة محلية وسعر اقتصادي.
مقهى قهوة مختصّة صغير يتعامل مع البن بوصفه منتجًا حِرفيًا، يزن الجرعات بدقة ويتحدث عن مناطق المنشأ وطرق المعالجة.
لا يلغي نموذجٌ نموذجًا آخر؛ بل تتكوّن شبكة كاملة من الخيارات تغطي لحظات مختلفة في اليوم، ومستويات إنفاق متباينة، وأذواقًا متنوّعة.

- الشباب، السينما، والحياة الاجتماعية حول القهوة
العامل الديموغرافي يلعب دورًا حاسمًا في قصة القهوة الإندونيسية. فحوالي أربعين في المئة من السكان تتراوح أعمارهم بين عشرين وأربعين عامًا، وهي فئة تمتلك قدرة إنفاق أعلى من الجيل السابق، وتنظر إلى الاستهلاك من زاوية الهوية وأسلوب الحياة. بالنسبة لهؤلاء، القهوة ليست مجرد منبّه، بل مساحة اجتماعية وصورة على مواقع التواصل، وطريقة للقاء الأصدقاء أو العمل من المقهى.
الثقافة الشعبية ساعدت في ذلك أيضًا. فيلم سينمائي صدر عام ألفين وخمسة عشر ويدور حول مقهى قهوة مختصّة في جاكرتا، جلب مصطلحات عالم القهوة الحديثة إلى الحديث اليومي، وقدّم صورة جذّابة لمهنة إعداد القهوة بوصفها عملًا إبداعيًا ذا معنى.
انعكس هذا على عدد المقاهي وأكشاك القهوة في البلاد؛ إذ يشير فاعلون في القطاع إلى أن إندونيسيا أصبحت من الدول ذات العدد الأعلى من المقاهي والأكشاك في العالم، بفضل موجة من المشاريع الصغيرة والسلاسل المحلية والمتاجر المستقلة المختصّة. في المدن الكبرى، أصبح «جولة المقاهي» في عطلة نهاية الأسبوع عادة شائعة بين طلاب الجامعات والموظفين، حيث يبحثون عن تجربة متكاملة: تصميم جميل، موسيقى، اتصال بالإنترنت، وقائمة قهوة مبتكرة.
- جاكرتا… مختبر القهوة المختصّة، والعدوى تنتشر
إذا كانت السلاسل والأكشاك السريعة هي محرّك الكتلة، فإن مشهد القهوة المختصّة في جاكرتا هو مختبر التجارب. العاصمة اليوم تضم محامص ومقاهي وعاملين في القهوة حصدوا اعترافًا دوليًا، ويدفعون باتجاه مستويات جديدة من الابتكار في طرق التخمير ومعالجة البن وتجربة الضيف.
أحد الأسماء البارزة هو بطل عالمي في مسابقات إعداد القهوة، فاز بلقب عالمي عام ألفين وأربعة وعشرين، وحصل على لقب بطل بلده عدة مرات. يدير هذا المتخصص في جاكرتا مقهى يقدم تجربة تذوّق متعددة المراحل، مستوحاة من نموذج الضيافة الذي يختار فيه الشيف أو المختص مسار التجربة بالكامل للضيف، حيث يمر الزائر بسلسلة من أكواب القهوة تستعرض محاصيل وطرق تحضير مختلفة. الفكرة هنا أن المستهلك الإندونيسي بات مستعدًا ليس فقط لاحتساء القهوة، بل للاستماع إلى قصتها وتفاصيلها.
في الوقت نفسه، يشغل هذا المختص منصبًا قياديًا في الابتكار لدى إحدى أبرز سلاسل القهوة المختصّة في البلاد، وهي سلسلة جمعت في طرحها الأولي للاكتتاب العام نحو ثلاثمئة وثلاثة وخمسين مليار روبية تقريبًا، أي ما يعادل واحدًا وعشرين مليون دولار أمريكي. بعد الإدراج، افتتحت هذه السلسلة متجرًا تجريبيًا جديدًا في جنوب جاكرتا، يتمحور حول بار بطيء يقدّم قهوة أحادية المنشأ من مناطق زراعية مرموقة في إندونيسيا، مع شرح مباشر من العاملين حول المنشأ والنكهات وطرق الاستخلاص.
لكن القهوة المختصّة لم تعد حكرًا على العاصمة. مدن مثل سورابايا وباندونغ ومدان وبالي تشهد افتتاح مزيد من المقاهي والمحامص، من بارات إسبرسو صغيرة وصولًا إلى نقاط بيع بالسيارة وسلاسل متوسطة الحجم. علامات متخصصة أخرى اختارت المطارات والمواقع ذات الحركة العالية كبوابات لتعريف المسافرين، الإندونيسيين والأجانب، بقهوة البلاد المختصّة.
الفعاليات الكبرى ساهمت في تسريع هذا المسار. ففي مايو ألفين وخمسة وعشرين استضافت جاكرتا لأول مرة معرضًا دوليًا مرموقًا للقهوة المختصّة، ما جلب مشترين ومصنّعين ومحترفين من مختلف دول العالم إلى قلب المشهد الإندونيسي. وقد أشار المنظّمون إلى شغف واضح لدى الجمهور المحلي، وإلى تنوّع كبير في الأساليب؛ من التركيز على قصص المنشأ والمعالجات التجريبية، إلى مشروبات مستوحاة من النكهات الإندونيسية التقليدية.
- سوق ينمو في اتجاهات متعدّدة
على مستوى الأرقام، لا توجد مؤشرات على أن طفرة القهوة في إندونيسيا ظاهرة عابرة. بيانات وزارة الزراعة الأمريكية تشير إلى أن الاستهلاك المحلي في موسم ألفين وأربعة وعشرين – ألفين وخمس وعشرين متوقع أن يصل إلى نحو أربعة ملايين وثمانمئة ألف كيس، وزن كل كيس ستّون كيلوغرامًا، بزيادة قدرها عشرة آلاف كيس عن الموسم السابق. هذه المفارقة – طلب محلي قوي مقابل صادرات تأثّرت بتحديات الإنتاج – تعني أن قدرًا أكبر من البن يُستهلك داخل البلاد، وبأشكال ذات قيمة أعلى.
الأهم أن النمو لا يتركّز في شريحة واحدة من السوق. فالمقاهي المختصّة الراقية وتجارب التذوق المتعمّقة تتوسع في الوقت نفسه الذي تنمو فيه مفاهيم القهوة السريعة ذات الأسعار المنخفضة، ومتاجر الخدمة السريعة، والسلاسل متوسطة السعر. هذا التعدّد يخلق منظومة قهوة متكاملة، تسمح للمستهلك أن يرتقي أو يهبط في مستوى التجربة والسعر، مع البقاء داخل عالم القهوة.
الجائحة تركت أيضًا أثرًا هيكليًا في نمط الاستهلاك. فمع ترسّخ استخدام تطبيقات التوصيل في الحياة اليومية، استغلت شركات القهوة هذه القنوات ليس فقط كوسيلة توصيل، بل كمنصّة لاختبار النكهات الموسمية، والمشروبات محدودة المدة، والتعاونات مع علامات أخرى؛ فإذا حظي مشروب بانتشار واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، أمكن توسيع إنتاجه بسرعة.
في الوقت نفسه، أدى نمو قطاع المشروبات الجاهزة للشرب إلى فتح مصادر دخل جديدة خارج المقهى التقليدي. فزجاجات القهوة الباردة واللاتيه المعبّأ أصبحت اليوم جزءًا ثابتًا من رفوف السوبرماركت والمتاجر الصغيرة، ما يمدّد لحظات استهلاك القهوة إلى أماكن وأوقات لم يكن المقهى حاضرًا فيها سابقًا.

- من جاكرتا إلى المنطقة… ثم إلى العالم
مع نضوج السوق المحلي، بدأت مفاهيم القهوة الإندونيسية تعبر الحدود. كانت بعض السلاسل المحلية من أوائل من اختبر التوسع الخارجي، بافتتاح فروع في دول آسيوية عدة، منها أسواق في جنوب وشرق آسيا، حيث المناخ ومستويات الدخل والأذواق قريبة من المزاج الإندونيسي. النموذج الذي تقدّمه هذه السلاسل – مشروبات قهوة حلوة في الأغلب، باردة غالبًا، وبأسعار تناسب الطبقة المتوسطة – يجد صدى في تلك الأسواق.
علامات أخرى سارت على خطى مشابهة، فافتتحت متاجر في مدن إقليمية كبرى، مستفيدة من موقعها كمراكز لثقافة المقاهي والابتكار في الطعام والشراب. هذه التوسعات تمثّل في الوقت ذاته اختبارًا تجاريًا وتصديرًا ثقافيًا؛ فهي تحمل معها نكهات إندونيسية، وأساليب خدمة، وقصص منشأ إلى أسواق مكتظّة بعلامات القهوة العالمية.
على نطاق أصغر، ولكن بدلالات مهمّة، شهدت مدن أمريكية عدة ظهور مقاهٍ مملوكة لإندونيسيين أو مبنية بالكامل حول الهوية الإندونيسية، في مدن مثل العاصمة الأمريكية والمدن الساحلية الكبرى. الولايات المتحدة تستورد جزءًا مهمًا من القهوة الإندونيسية، وهذه المقاهي تجعل المستهلك هناك يتعامل مع القهوة الإندونيسية كهوية كاملة، لا مجرد اسم منطقة مكتوب على الملصق.
في مثل هذه المقاهي، يتعرّف الزبائن على مشروبات مثل القهوة بالحليب المحلية المثلّجة، واللاتيه بنكهة نبات الباندان، ومشروبات مُحلّاة بسكر النخيل، وهي نكهات محلية بامتياز لكنها قابلة للانتشار عالميًا مع قوة وسائل التواصل الاجتماعي اليوم.
- الأصالة، سهولة الوصول… وما بعد الطفرة
الخيط الأوضح في رحلة القهوة المختصّة في إندونيسيا هو الجمع بين الأصالة وسهولة الوصول. كثير من العلامات الناجحة لم تتخلَّ عن النكهات والأشكال التقليدية، بل أعادت تقديمها في سياقات حديثة: قهوة بالحليب على الطريقة الإندونيسية في عبوات جاهزة تُطلب عبر التطبيقات، لاتيه بنكهة الباندان أو سكر النخيل في مقهى بتصميم عصري، أو رحلات تذوّق مبنية بالكامل حول مناطق منشأ إندونيسية يشعر المستهلك أنها قصته هو.
الشريحة الشابة، وتزايد الدخول، وتسارع وتيرة التمدّن، إلى جانب تاريخ طويل مع القهوة، تمنح إندونيسيا مزيجًا نادرًا من العمق والزخم. فالبلد اليوم منتِج ومستهلك متقدّم في آن واحد، مع سلاسل محلية ومقاهٍ مستقلة لا تكفّ عن اختبار حدود ما يمكن أن تكون عليه القهوة، ولمن يمكن أن تُقدَّم.
السؤال لم يعد: هل سينمو سوق القهوة في إندونيسيا؟ بل: إلى أي مدى سيصل تأثيره؟ ومع توسّع السلاسل الإندونيسية إقليميًا، وانتقال المشروبات الجاهزة والنكهات المحلية إلى أسواق جديدة، وظهور مزيد من المقاهي الإندونيسية أو المستوحاة من إندونيسيا في العواصم العالمية، يبدو أن ما يتخمّر اليوم في جاكرتا وسورابايا وبالي لن يبقى هناك طويلًا، بل سيسهم في رسم طريقة شرب العالم للقهوة في السنوات القادمة.

