بقلم: سوميا جاياتري

في صباح شتوي بارد من يناير، بدت ساحة الصفاة في قلب الرياض القديمة نابضة بالحياة، حيث يحتضن مقهى «قيصرية الكتاب» رواده بين رفوف الكتب وزخارف نجدية أصيلة. هنا، لا تُشرب القهوة العربية فحسب، بل تُروى الحكايات وتُستعاد تقاليد الضيافة التي شكّلت جزءاً راسخاً من الهوية السعودية عبر قرون.

داخل هذا الفضاء الثقافي، تُقدَّم القهوة في «الدلة» وتُسكب في «الفنجان» وفق طقوس دقيقة تحمل دلالات اجتماعية عميقة، من ترتيب تقديم الضيوف إلى إشارات الاكتفاء أو طلب المزيد. هذه المراسم، المتجذرة في البيوت البدوية قديماً، ما تزال حاضرة في أكثر من 80% من المنازل السعودية، حيث يُنظر إلى تقديم القهوة بوصفه التزاماً أخلاقياً قبل أن يكون مجاملة اجتماعية.

تاريخياً، انتقلت القهوة العربية من إثيوبيا إلى اليمن في القرن الخامس عشر، ومنها عبر ميناء المخا إلى أنحاء الجزيرة العربية. وفي جنوب المملكة، وجدت زراعتها موطناً دائماً في جبال جازان والباحة وعسير، حيث يُنتج البن الخولاني المعروف بجودته العالية، فيما حظيت المعارف الزراعية المرتبطة به باعتراف «اليونسكو» ضمن عناصر التراث الثقافي غير المادي.

قد يعجبك أيضا: كيف يعيد اقتصاد القهوة في رمضان تشكيل سلاسل الإمداد العالمية

ومع انتشار المقاهي العامة على طرق التجارة وفي المدن، تحولت القهوة إلى منصة للنقاش وتبادل الأخبار والشعر، وهو دور تستعيده اليوم في مشهد معاصر يشهد ازدهاراً لافتاً. فالمملكة تعيش ما يمكن وصفه بـ«نهضة القهوة»، مدفوعة بتوسع المقاهي المتخصصة وسلاسل القهوة العالمية، إلى جانب مبادرات رسمية لدعم الزراعة المحلية ضمن مستهدفات رؤية 2030.

تقدَّر قيمة سوق القهوة في السعودية بين 1.3 و1.9 مليار دولار سنوياً، ويُستهلك يومياً أكثر من 36 مليون كوب. ووفق تقارير قطاعية حديثة، يُتوقع أن يتجاوز عدد المقاهي في المملكة 5350 مقهى بحلول عام 2027، ما يعكس تنامي الطلب المحلي وترسخ القهوة في نمط الحياة المعاصر.

وفي عام 2022 أُطلقت «الشركة السعودية للقهوة» لتعزيز إنتاج وتسويق البن الخولاني بشكل مستدام. وتشمل الجهود زراعة مئات الآلاف من الأشجار، وتدريب المزارعين على تقنيات الري بالطاقة الشمسية والإدارة الزراعية الحديثة، بهدف رفع الجودة وتحسين الكفاءة الإنتاجية.

اقرأ أيضا: الجاذبية الخفية في عالم القهوة

بالتوازي، تشهد سلاسل محلية متخصصة نمواً متسارعاً، مستفيدة من اهتمام المستهلكين بمصدر البن وطرق تحميصه والنكهات الفريدة وممارسات الاستدامة. هذا التوجه لم يُلغِ الطقوس التقليدية، بل أعاد صياغتها في سياق معاصر، حيث ينتقل السعوديون بسلاسة بين قهوة مسائية تقليدية و«فلات وايت» معدّة بحرفية في مقهى حديث.

المقاهي اليوم لم تعد مجرد أماكن لاحتساء القهوة، بل تحولت إلى منصات ثقافية تحتضن جلسات قراءة وندوات شعرية وورشاً فنية. في «قيصرية الكتاب» تُنظم لقاءات أسبوعية للقراءة، بينما تستضيف مقاهٍ أخرى أمسيات أدبية وأنشطة إبداعية، مستعيدةً بذلك الدور التاريخي للمقهى كملتقى للأفكار.

وسط هذا الحراك، تتجدد العلاقة بين القهوة والمكان. فالتجربة لم تعد مرتبطة بالمذاق وحده، بل بالمساحة التي تجمع الناس حوله. وبين دفء المجالس التقليدية وتصاميم المقاهي العصرية، تواصل القهوة في السعودية أداء دورها بوصفها جسراً للتواصل ورمزاً للكرم، في مشهد يجمع بين الأصالة والتجديد.

Gallery

Gallery image 1
Gallery image 2
Gallery image 3