بين السم والقهوة، تظهر براعة الرد؛ فالقهوة حاضرة دوماً في تاريخ السجالات السياسية، حيث تُختزل معارك كبرى في جملة واحدة. ولعل المواجهة الشهيرة بين تشرشل والليدي أستور هي النموذج الأسمى لما يُوصف بـ«السهل الممتنع».
ورغم إجماع المؤرخين على أن هذا الحوار مجرد نكتة شاعت قديماً، فإن إسقاطها على السياسيين يبرهن على طبيعة الحوار الإنساني. وحين قالت أستور: «لو كنتُ زوجتك لوضعتُ السم في قهوتك»، لم تكن تمارس عنفاً بقدر ما كان ذلك «يأساً تعبيرياً». وهنا تجلّى ذكاء تشرشل بتبنّي الفرضية وقلبها: «لو كنتِ زوجتي لشربته»؛ فجعل الموت أهون من رفقتها.
ومع ذلك، فإن هذه المواقف تذكّرنا بدرس أعمق في قيمنا؛ فالانتصار الحقيقي ليس في إفحام الخصم، بل في الترفّع عنه. وفي هذا الميدان، الذي يصفه البعض بـ«الذكاء الارتدادي»، يُعدّ معاوية بن أبي سفيان مضرب المثل، وكان يقول: «إني لأستحي أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي».
فعندما شتمه رجل في مجلسه، وأمعن في الإساءة إليه أمام الرعية، ظلّ معاوية مبتسماً لا يحرّك ساكناً. فلما انتهى الرجل، سأل معاوية من حوله: «ما ترون في هذا؟»، فأشاروا عليه بعقابه، فقال: «لا، بل نصله بالمال؛ فإنه ما شتمنا إلا لضيق حاله». فكان هذا التغاضي ذكاءً سياسياً حوّل الخصم إلى ممتنّ بضربة كرم واحدة.
وعلى النهج ذاته، عُرف الأحنف بن قيس بـ«حليم العرب». ومن بليغ قصصه أن رجلاً تبعه يسبّه ويشتمه بأقذع الألفاظ، والأحنف لا يردّ ولا يلتفت. فلما اقتربا من حيّ قومه، وقف الأحنف وقال للرجل: «يا هذا، إن كان قد بقي في نفسك شيء فقلْه الآن، فإني أخشى أن يسمعك فتيان قومي فيؤذوك». وهنا ندرك أن الأحنف لم يتغاضَ خوفاً، بل ترفّعاً عن الدخول في وحل السباب، وحمايةً للسفيه نفسه من طيش الشباب.
وفي أيامنا هذه، نرى كثيراً من أمثلة الترفّع، وخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يجزم كثيرون بأن وراء الشتائم نفوساً غريبة عن الثقافة العربية؛ فالعربي جُبل على مكارم الأخلاق التي تُعد ركناً أساسياً في تربيته. وما أجمل أن يجمع الإنسان بين دهاء المنطق وزينة الأخلاق؛ فبذلك ترتقي الأمم وتتكامل. فهل يتعلّم الغرباء آداب «الحِلم والترفّع» كما تعلّموا من العرب شرب القهوة؟

