لندن — قهوة ورلد

قلّما توجد كلمة قطعت مسافة لغوية وثقافية تماثل ما قطعته كلمة القهوة. ففي تعليق تحريري حديث، سلّطت فيبي نيكلسون، المحررة التنفيذية في معجم أكسفورد الإنجليزي (OED)، الضوء على كلمة تقول إنها «قريبة جداً من قلوب محرري المعجم». إنها قصة كلمة بقدر ما هي قصة مشروب، غنية بالطبقات والدلالات، تماماً كالقهوة نفسها.

  • من «قَهْوَة» إلى Coffee

دخلت كلمة coffee—التي كانت تُكتب في بداياتها أحياناً coffeen—اللغة الإنجليزية في أواخر القرن السادس عشر، قادمة عبر التركية، ومتجذّرة في العربية. وتشير إحدى الفرضيات اللغوية إلى أن أصلها يعود إلى كلمة قَهْوَة، وهي لفظ شعري قديم كان يُستخدم للدلالة على الخمر. ومع تحريم الكحول في الإسلام، برزت القهوة بوصفها بديلاً مشروعاً ومنبهاً، حاملةً معها بعض الأبعاد الاجتماعية والرمزية التي ارتبطت سابقاً بالخمر.

وقد عبّر رحّالة أوروبيون معاصرون عن دهشتهم من هذا الشراب الجديد، واصفين إياه بأنه «سائل معيّن… يُسْكِر الدماغ سريعاً»، ولاحظوا أن «بيوت القهوة» في تركيا كانت «أكثر شيوعاً من الحانات في إنجلترا». بدت القهوة آنذاك مشروباً غريباً، منشطاً، ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالثقافة العربية.

  • استقرار التهجئة وتخمّر الثقافة

بحلول منتصف القرن السابع عشر، بدأت التهجئات المتعددة—مثل caova وchoava وcoho—تستقر تدريجياً على الشكل المألوف اليوم: coffee. وفي الوقت نفسه، ترسّخت القهوة في إنجلترا لا كمشروب مستورد فحسب، بل كمؤسسة اجتماعية.

وتُظهر اللغة هذا التحول بوضوح. فقد ظهرت كلمة coffee-house (بيت القهوة) لتشير ليس فقط إلى مكان يُقدَّم فيه الشراب، بل إلى مركز للتبادل الاجتماعي. أصبحت بيوت القهوة فضاءات للنقاش السياسي، والحوار الأدبي، وتداول الأخبار، والتجارة، وبرزت شخصيات مثل coffee-wit—ذلك الظريف الذي لا يفتأ يثني أذن الجالسين بحديثه.

وبلغ تأثير هذه الثقافة حداً جعل كلمة coffee-house تتحول لاحقاً إلى فعل، يُستخدم لوصف الوقوف والثرثرة أثناء الصيد، في دلالة على مدى ترسّخها كمرادف للتواصل الاجتماعي.

  • القهوة وحركة الامتناع عن الكحول

ومع دخول العصر الحديث، واصلت القهوة إنتاجها اللغوي متماشية مع التحولات الاجتماعية. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ظهرت مصطلحات مثل coffee palace وcoffee tavern، لا سيما في الإنجليزية البريطانية والأسترالية. ولم تكن هذه مجرد بيوت قهوة فخمة، بل مشاريع روّجت لها جمعيات الامتناع عن الكحول كبدائل أخلاقية لـ«قصور الجن»، تتيح التلاقي الاجتماعي دون مسكرات.

وهكذا أصبحت القهوة رمزاً للإصلاح الأخلاقي بقدر ما هي مشروب، وهو بُعد تحتفظ به صفحات المعجم بوصفه شاهداً على طموحات المجتمع.

  • في العصر الحديث.. لا تزال الأحاديث تُسكب

في الإنجليزية المعاصرة، ما زالت القهوة تشير إلى اللقاء والتواصل. فتعابير مثل coffee morning وcoffee date وcoffee klatch تصف مناسبات للحديث والاختلاط، حيث يكون الشراب ذريعة للتواصل لا غاية بحد ذاته.

وتخلص فيبي نيكلسون إلى أن كلمة بهذا القدر من الإنتاجية اللغوية تستحق وقفة—وقفة قهوة، ربما. ففي معجم أكسفورد، القهوة ليست مجرد مشروب، بل سجل حيّ لطرق التجارة، والممارسات الدينية، والجدل السياسي، وحركات الإصلاح، ودفء الصحبة اليومية.

أما الخاتمة الأنسب..  فنجان قهوة .. وإن كان لنا أن نختار، فليكن إسبريسو مزدوجاً.