بقلم د. شتيفن شفارز، معهد استشارات القهوة
ثمة مفارقة غريبة في قطاع القهوة: لقد أمضينا أكثر من قرن في إتقان تحميص وطحن واستخلاص وابتكار رغوة وتبريد وبسترة بذور القهوة، بينما ظل النبات الذي ينتجها شامخاً طوال الوقت ككتلة حيوية خضراء هائلة؛ يقوم بالتمثيل الضوئي، ويدافع عن نفسه، ويتفاعل مع أشجار الظل والفطريات والحشرات، ويجدد أغصانه باستمرار بعد التقليم.
تعد الورقة هي العضو العامل الحقيقي لنبات القهوة؛ فهي محرك الكربوهيدرات والمختبر الكيميائي الذي يدير علاقة النبات بأشعة الشمس والجفاف والآفات ومسارات النمو والتعافي. ومع ذلك، في معظم البلدان المنتجة، كان يتم التعامل مع أوراق القهوة كمجرد سماد أو فضلات يتم التخلص منها أثناء إدارة المحصول. هذا الأمر يتغير الآن، ليس فقط لأن العالم يحب التجديد، بل لأن شاي أوراق القهوة بدأ يبرز عند تقاطع علم النباتات الشعبي وقوانين الأغذية الحديثة، وبات ركيزة أساسية لاقتصاديات المزارع ومرونتها التشغيلية.
إن منقوع أوراق القهوة ليس اختراعاً من عصر العافية الحديث؛ فهو أقدم من الإسبريسو، وأقدم من القهوة المقطرة، بل وحتى أقدم من أولى الأسعار الدولية للقهوة. ففي العديد من المناطق المنتجة، جرت العادة منذ زمن طويل على نقع الأوراق أو غليها أو خلطها مع الحليب والتوابل لصنع مشروبات تجمع بين التغذية والطقوس الاجتماعية والطب الشعبي.
السجل العرقي واضح: تم إعداد واستهلاك المشروبات القائمة على أوراق القهوة في أماكن متنوعة مثل إثيوبيا وجنوب السودان وإندونيسيا وجامايكا والهند، وغالباً تحت أسماء محلية تشير إلى أنها فئة مشروبات قائمة بذاتها وليست مجرد بديل للقهوة. ففي إثيوبيا، يُعرف منقوع أوراق القهوة بأسماء متعددة مثل “كوتي” و”كيتيلي بونا”، حيث يتم معالجة الأوراق عبر التنظيف والهرس والغلي مع إضافة التوابل، والنتيجة هي مشروب يتراوح بين اللون الذهبي الفاتح والبني الداكن، برائحة عطرية غنية تعتمد على نضج الورقة وطريقة تجفيفها.
أظهرت الدراسات الميدانية في منطقة “غوفا” جنوب إثيوبيا أن منقوع أوراق القهوة جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، حيث يُنظر إليه كمشروب محفز وقوي، خاصة عند خلطه مع حليب البقر في مزيج يسمى “إنجيري”، والذي يُعتقد أنه يمنح الطاقة للعمل البدني الشاق ويدعم النساء في فترة التعافي بعد الولادة.
تتم عملية الحصاد عن طريق قطع الأجزاء الطرفية من النبات، وهي نفس المنطقة التي يستهدفها مديرو المزارع بالفعل أثناء عملية تقليم الأشجار. يتم غلي الأوراق في ماء ساخن، وتُضاف إليها لوحة عطرية واسعة من التوابل تشمل الزنجبيل، والثوم، والريحان، وعشب الليمون، والهيل، والفلفل الحار، والملح. هذا المزيج المعقد يشبه المرق المطهي أكثر من كونه شاياً بسيطاً، مما يعني أن هذه المشروبات خضعت لقرون من اختبارات التذوق لتعديل المرارة وتعزيز القوام.
لم يعد منقوع أوراق القهوة مجرد مشروب تقليدي؛ بل أصبح الآن فئة غذائية محددة قانوناً داخل الاتحاد الأوروبي. ففي يوليو 2020، سمح الاتحاد الأوروبي بطرح منقوع أوراق القهوة في الأسواق كغذاء تقليدي، مما قلل من المخاطر التنظيمية أمام المستوردين والمحمصين ومطوري المشروبات.
تشير الدراسات العلمية إلى أن أوراق القهوة ليست مجرد “قهوة بلا بذور”، بل تحتوي على مجموعة معقدة من المواد الكيميائية النباتية، بما في ذلك مضادات الأكسدة ومركبات ذات تأثيرات مضادة للالتهابات. كما أنها توفر طقوس شرب القهوة المعقدة ولكن مع كمية أقل من الكافيين، مما يجعلها خياراً مثاليًا لمن يبحثون عن استهلاك معتدل.
الأهمية التجارية الأعمق لشاي أوراق القهوة تكمن في تأثيره على المزارعين؛ فهو يخلق تياراً إضافياً من الدخل من نفس المزرعة باستخدام مخلفات الشجر التي يتم إنتاجها بالفعل أثناء عمليات التقليم. هذا التنوع في الدخل يزيد من قدرة الأنظمة الزراعية على مواجهة تقلبات الأسعار العالمية.
عندما تصبح الأوراق مادة خام ذات قيمة، لن يصبح التقليم مجرد تكلفة، بل سيتحول إلى جزء من دورة توليد الأرباح. كما أن هذا النشاط يوفر فرص عمل في المواسم التي لا يوجد بها حصاد لبذور القهوة، مما يساعد المزارع على الاحتفاظ بالعمالة الماهرة وتوفير دخل مستمر لهم طوال العام.
إن شاي أوراق القهوة هو اختبار لمدى قدرة قطاع القهوة على التفكير في “النبات بالكامل”. إذا تعاملنا مع أوراق القهوة بالجدية التي تستحقها، فلن نبيع مجرد مشروب آخر، بل سنخلق آلية تصبح من خلالها مزارع القهوة أكثر استقراراً وإنتاجية. في عالم يتشكل فيه مستقبل القهوة بضغوط المناخ وعدم اليقين الاقتصادي، قد تبدو الورقة شيئاً صغيراً، ولكن في البيولوجيا والأعمال، غالباً ما تكون الأشياء الصغيرة هي الرافعات التي تغير النظام بأكمله.

