لماذا قد يتحدد مستقبل القهوة ليس فقط بما ينتهي في الفنجان، بل بكيفية استخدام كل ما يتجاوزه
بقلم: د. شتيفن شوارز
أصبحت صناعة القهوة الحديثة بارعة بشكل استثنائي في تقدير عنصر واحد بدقة شبه هوسية: حبّة القهوة.
ففي مختلف مراحل سلسلة الإمداد العالمية، يتم تصنيف الحبوب وفق الكثافة، والرطوبة، وحجم الغربال، وعدد العيوب، والمركبات العطرية، واستجابة التحميص، وسلوك الاستخلاص، وخصائص الكوب. ويتم تداولها عبر المحيطات، وتأمينها، والتحوط لها في الأسواق، ومنحها شهادات الجودة، وتسويقها، بل وحتى رواية قصصها بشغف يكاد يقترب من الطقوس.
لكن خلف هذا المستوى العالي من الدقة، تختبئ حقيقة أقل راحة: لا تزال صناعة القهوة تعمل إلى حد كبير وفق نموذج اقتصادي خطي.
يتم استخراج القيمة من ثمرة القهوة، ثم تمر عبر سلسلة من المعاملات المتزايدة التعقيد، بينما يُترك وراءها قدر هائل من الكتلة الحيوية التي غالباً ما تُعامل كمشكلة يجب التخلص منها، لا كفرصة.
اقرأ أيضا: الهند… قوة قهوة صاعدة بصمت
وهذا “الظل البيولوجي” ليس صغيراً. بل هو في الواقع الجزء الأكبر من الثمرة.
فالحبّة الخضراء التي تشغل خيال المنتجين والتجار والمحمّصين وصانعي القهوة ليست سوى جزء صغير من الواقع المادي لثمرة القهوة. إذ تشكّل القشرة واللبّ والميوسيلاج والرقّ والغلاف الفضي وبقايا القهوة المستعملة منظومة واسعة من الكتلة الحيوية غير المستغلة.
طوال عقود، تجاهل الاقتصاد التقليدي للقهوة هذه المواد لأنها تقع خارج نطاق المنتج التجاري الأساسي. لكن الطبيعة لا تعترف بمفهوم “النفايات” كما تفعل سلاسل التوريد الحديثة؛ فهي لا ترى سوى المغذيات والطاقة والدورات الزمنية.
إعادة التفكير في اقتصاد القهوة
هنا تبرز أهمية مفهوم الاقتصاد الدائري للقهوة.
فالدائرية ليست مجرد شعار جديد للاستدامة، بل هي تحدٍ حقيقي للطريقة التي تتخيل بها الصناعة نفسها. إنها تطرح سؤالاً بسيطاً في ظاهره لكنه عميق في نتائجه: ماذا لو توقفت الصناعة عن اعتبار كل ما يتجاوز الحبة بقايا، وبدأت في اعتباره جزءاً من النظام الحقيقي للقهوة؟
عند طرح هذا السؤال بجدية، لم تعد القهوة تبدو كسلسلة قيمة بسيطة تمتد من المزرعة إلى الفنجان. بل تتحول إلى شبكة حية مترابطة تتداخل فيها الصحة البيئية، وتقنيات المعالجة، وعلوم المواد، وسلوك المستهلك، وسبل عيش المزارعين.
ويأتي هذا التحول في لحظة حاسمة.
فإنتاج القهوة يواجه ضغوطاً متزايدة من تغير المناخ. ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط الأمطار، وزيادة انتشار الأمراض النباتية، كلها عوامل تعيد تشكيل البيئات التي ازدهرت فيها القهوة – خصوصاً الأرابيكا – تاريخياً. وغالباً ما يضطر المزارعون إلى نقل الزراعة إلى ارتفاعات أعلى، ما يزيد الضغط على النظم البيئية الجبلية والغابات.
في الوقت نفسه، تتراجع صحة التربة في العديد من مناطق الإنتاج، بينما تبقى تكاليف المدخلات الزراعية متقلبة، ويظل صغار المزارعين الأكثر تعرضاً للمخاطر الاقتصادية.
لذلك فإن النموذج التقليدي لإنتاج القهوة ليس فقط غير مكتمل بيئياً، بل هشّ استراتيجياً.
- الحجم الحقيقي للكتلة الحيوية في القهوة
لا تزال القهوة واحدة من أكثر السلع الزراعية تأثيراً في العالم، إذ تشكل جزءاً من اقتصادات أكثر من 80 دولة منتجة، وتدخل في الروتين اليومي لمئات الملايين من الناس.
لكن حجم المواد العضوية الناتجة عن معالجتها يكشف صورة مختلفة تماماً.
وفق تقرير تنمية القهوة 2022–2023، ينتج عن معالجة القهوة أكثر من 40.68 مليون طن من الكتلة الحيوية سنوياً. ويأتي نحو 72% من هذه المواد العضوية المتجددة – أي ما يقارب 29.34 مليون طن – من الدول المنتجة للقهوة، حيث لا تزال إمكاناتها الاقتصادية غير مستغلة إلى حد كبير.
وفي الواقع، يتم التخلص من أكثر من 86% من ثمرة القهوة عادةً كنفايات أو منتجات ثانوية. وبحلول اللحظة التي تصبح فيها القهوة مشروباً في الفنجان، يبقى جزء صغير فقط من الثمرة الأصلية.

هذه الحقيقة وحدها كفيلة بتغيير طريقة تفكير الصناعة حول القيمة.
- من النفايات إلى الموارد
يمكن أن تؤدي الإدارة غير السليمة للمخلفات البيولوجية الناتجة عن معالجة القهوة إلى مشكلات بيئية كبيرة، مثل تلوث المياه ونقص الأكسجين في الأنظمة البيئية وزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة.
لكن عندما يُعاد تصنيف هذه المواد على أنها موارد بدلاً من نفايات، تظهر فرص جديدة تماماً.
فلبّ القهوة وقشورها يمكن أن تتحول إلى سماد عضوي، أو فحم حيوي، أو أسمدة، أو مكونات غذائية، أو ألياف صناعية، أو وقود حيوي، أو مواد بيولوجية مبتكرة. كما يمكن استخدام الغلاف الفضي الناتج عن التحميص في تطبيقات صناعية متعددة، بينما يمكن لبقايا القهوة المستعملة أن تدخل في صناعات الطاقة والمواد المركبة والمنسوجات والورق ومواد البناء.
قد لا تتوسع جميع هذه التطبيقات بنفس السرعة، لكن التحول الفكري أصبح واضحاً: القيمة لا تنتهي عند الحبة.
- إبقاء القيمة في بلدان المنشأ
يبقى التحدي الأكبر هو ضمان أن تعود فوائد الاقتصاد الدائري إلى الدول المنتجة للقهوة، وليس فقط إلى الأسواق الاستهلاكية الغنية.
فإذا تم تطوير استخدامات جديدة للمنتجات الثانوية في الدول المستهلكة فقط، بينما تتحمل الدول المنتجة عبء المعالجة والنفايات، فإن مفهوم الدائرية سيفقد معناه الحقيقي.
اقتصاد القهوة الدائري الحقيقي يجب أن يوسع جغرافيا خلق القيمة، بحيث يتمكن المزارعون والتعاونيات والشركات المحلية من المشاركة في سلاسل القيمة الجديدة.
الزراعة التجديدية كجزء من الحل
هنا يبرز دور الزراعة التجديدية.
فالزراعة التجديدية تسعى إلى تحسين صحة التربة والتنوع الحيوي وإدارة المياه وتعزيز مرونة النظم الزراعية. وتشمل ممارسات مثل الزراعة الحرجية للقهوة، واستخدام محاصيل التغطية، وتحسين دورة المغذيات، وتقليل الاعتماد على المدخلات الكيميائية.
والهدف ليس مجرد تقليل الضرر، بل تحسين الأنظمة البيئية التي تعتمد عليها زراعة القهوة نفسها.
- من سلسلة القيمة إلى دائرة القيمة
اعتادت صناعة القهوة الحديث عن “سلسلة قيمة القهوة”. لكن مفهوم السلسلة يوحي بحركة أحادية الاتجاه: مدخلات تدخل من طرف، وقيمة تخرج من الطرف الآخر.
أما مستقبل القهوة فقد يعتمد على دائرة قيمة، حيث يمكن للمواد والمغذيات والطاقة أن تعود إلى النظام وتخلق قيمة جديدة في كل مرحلة.
- فرصة استراتيجية للصناعة
الانتقال إلى اقتصاد دائري للقهوة لن يكون سهلاً. فالمعرفة لا تزال متفرقة، واللوائح التنظيمية للمنتجات الثانوية غير موحدة، والبنية التحتية لإعادة الاستخدام غير متساوية بين الدول.
لكن الفرصة كبيرة أيضاً.
فالاقتصاد الدائري يمكن أن يخلق مصادر دخل جديدة للمزارعين، ومواد جديدة للصناعة، وتحسينات بيئية حقيقية، ونظام قهوة عالمي أكثر مرونة.
وفي النهاية، قد يتحدد مستقبل القهوة بسؤال بسيط يُطرح في مكان ما بجوار محطة معالجة القهوة، أمام كومة من لبّ الكرز المتبقي بعد الحصاد:
هل هذه مجرد نفايات؟
أم بداية قيمة جديدة لم تُكتشف بعد؟

